وائل قندييل

ما الذي شجع عبد الفتاح السيسي على إعلان مضاعفة كميات الطغيان والاستبداد في ممارسة السلطة، في سلسلة خطاباته أخيرا؟.

ما الذي جعله مطمئناً إلى أن ما يسمى الضمير الإنساني، والمجتمع الدولي، سيبقى داعماً له في سيره نحو سحق الدولة المصرية، ماضياً وحاضراً ومستقبلا؟.

ما الذي جعله يسخر، بكل هذه الجرأة، من كل المطروح في سوق المبادرات والدعوات التي تتسول التصالح مع طغيانه، والتعايش مع استبداده، مقابل بعض الفتات فيما يخص الحريات وحقوق الإنسان؟

قبل أن يعلن عبد الفتاح السيسي أنه مستمر في الحكم بالعنف والإقصاء وإبادة المختلفين معه، أوفد مندوبه الخاص، مدير مخابراته، عباس كامل، إلى واشنطن، لتجديد رخصة الاستبداد الدولية، فعاد وفي جيبه “شيك” بقيمة 195 مليون دولار، معونة عسكرية مجمّدة لدي الإدارة الأميركية، واحتفى في القاهرة بزيارة وفد من الاقتصاديين الصهاينة، جاءوا لضخّ الدماء في اتفاقية الكويز التي تربط مصر بتل أبيب وواشنطن.

كتبت مبكّراً إن السيسي هو أحد منتجات “الكويز” السياسي، المصنوع من خامات مصرية، بتكنولوجيا أميركية إسرائيلية، وتمويل خليجي، وبالتالي لا يعبأ بالداخل، إلا بالقدر الذي يتيح له استعماله في إنعاش عائدات مشروعه.

ومثل كل طاغية كلاسيكي، يحاول عبد الفتاح السيسي تغليف جرائمه في حق مصر بقماشة شعبية زائفة، يصنعها له المستفيدون والمنتفعون من استبداده، فيجمعون له المصفقين والمهللين، الذين يضحكون، بالأمر، ويهتفون بالأجر، مع كل خطوةٍ يخطوها فوق جثة وطن ينزف كل يوم.

يريد السيسي أن يقول للعالم إن الشعب سعيد بالجرائم والكوارث، ومشاركٌ فيها، بل يطلب المزيد.. هكذا بدا في حفله الماجن الأخير، الممتد يومين كاملين، حين يعلن أنه يحتقر كل المبادرات والدعوات الخاصة بإحداث مصالحة مجتمعية وسياسية، فيصفّق له الحضور بحماسة شديدة، ليصبح منهج القتل والإقصاء والقمع، مطلباً جماهيرياً، تجسّده تلك اللحظة الدرامية التي يحصل فيها وزير دفاعه الجديد، صاحب أول مذبحة عند دار الحرس الجمهوري، على رتبة جديدة، يعلقها على كتفيه الجمهور، وليس رئيسه، ليكون الشعب، في الصورة النهائية، موافقاً على القتل ومشاركاً فيه.

على أن أخطر ما طرحه السيسي، وطلب التصفيق عليه، هو رأيه في انتفاضات الشعب، طلباً للحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، حين قدم الثورة الشعبية مرادفاً للنكسة، وهو يقول إن مصر كادت تنهض بعد عام 1964 فجاءت نكسة يونيو/ حزيران 1967 فبدّدت فرصة النهضة، وتكرّر الأمر في عامي 2009 – 2010 فجاءت ثورة يناير نكسةً أخرى، عطلت تقدم مصر ونهضتها.. ليصفق الجمهور أيضاً، حين طلب منه التصفيق بنظرة وأداء خطابي ركيك.

يعرّف الفلاسفة الطاغية بأنه “شخصٌ يصل إلى الحكم بطريق غير مشروع، فيمكن أن يكون قد اغتصب الحكم بالمؤامرات أو الاغتيالات أو القهر أو الغلبة بطريقة ما. وباختصار هو شخص لم يكن من حقه أن يحكم، لو سارت الأمور سيرا طبيعيا، لكنه قفز إلى منصة الحكم عن غير طريق شرعي، وهو لهذا يتحكّم في شؤون الناس بإرادته، لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم، و يعلم من نفسه أنه الغاصب والمعتدي، فيضع كعب رجله في أفواه ملايين من الناس لسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته”.

في هذه اللحظة، يبدو السيسي واثقاً من أن لا شيء يهز عرشه، مدركاً أن أقصى ما يستطيع معارضوه فعله هو هاشتاغات وترندات ومبادرات معبأة بالعجز والمهانة، يغيب عنها المنطق ويجافيها العدل، فلا تبدو أكثر من كونها ألعابا للتسلية وملء أوقات الفراغ.

لقد حسم السيسي أمره، وأعلن بوضوح أنه سيواصل طغيانه واستبداده، المطرّز بهتافات جماهير اصطناعية، يستدعيها عند اللزوم.
===========
نقلا عن العربي الجديد

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم