ما زالت الأسباب التي تفسر سر دفاع نظام الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، عن الجاسوس المصري للكيان الصهيوني أشرف مروان صهر الراحل جمال عبد الناصر، غير مفهومة لقطاع كبير، من المصريين المتابعين للقضية، رغم الوثائق الإسرائيلية، التي أكدت أن أشرف مروان جاسوس إسرائيلي.

وبحوار “الحرية والعدالة” لمصادرها من داخل القصر الرئاسي الذي استولى عليه عبد الفتاح السيسي، حول سر هذا الدعم غير المبرر لأشرف مروان، أكدت المصادر أن السيسي لا يريد إثبات خيانة أشرف مروان في هذا المشهد ، نظرا لتأثيره على صورة النظام الناصري وصورة العسكر ، مع الحقيقة المرة وهي أن أشرف مروان كان صهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أحد أكبر رموز النظام العسكري ، والذي مازالت الماكينات الإعلامية تخدع به الجماهير المصرية، وبوطنيته المزيفة التي دفع ثمنها المصريون من دمائهم في نكسة 1967.

وقالت المصادر إن عبد الناصر كرمز عسكري لا يتحمل أخطاءه السيسي، كما هو معروف عن السيسي بأنانيته في الدفاع عن نفسه فقط، ولكن السيسي في هذه القضية تحديدا رأى نفسه مجبرا على الدفاع عن أشرف مروان، خوفا من انهيار صورة “القائد والجنرال” التي يعتمد عليها السيسي، انطلاقا من رمز عبد الناصر، والخديعة التي يعيش فيها المصريون بهذه الصورة المزيفة، موضحة أن السيسي يعرف جيدا أن انهيار هذه الصورة المزيفة هو انهيار لصورته شخصيا، كجنرال يدعى أنه عبد الناصر الجديد.

جاسوسية العسكر

وأضافت أن السيسي لديه مخاوف وحساسية شديدة من الحديث عن الجاسوسية لإسرائيل في نظام العسكر، مع شعور أغلب المصريين بارتماء السيسي في حضن الكيان الصهيوني، والتعاون الذي يظهر به مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حتى أنه يلتقي به سرا في منتصف الليل، بالاتحادية تارة، وبالأردن تارة أخرى.

وأكدت المصادر أن السيسي يعرف أن انهيار صورة أشرف مروان رجل الظل في نظام عبد الناصر وصهره، بعد التأكيد على أنه كان جاسوسا لإسرائيل، يدمر صورة عبد الناصر الذي خدع المصريين بوطنيته وعدواته لإسرائيل ثم اكتشف المصريون أن أقرب رجل له وهو صهره وزوج ابنته مجرد جاسوس لإسرائيل، وبالتالي ربما وقتها تنهار صورة السيسي المزيفة التي تحوم حولها الشكوك نتيجة تعاونه مع الكيان الصهيوني، حيث من المؤكد وقتها أن تنطبع صورة الجاسوس أشرف مروان على صورة عبد الفتاح السيسي.

وثيقة حرب أكتوبر

كانت صحيفة “هآرتس” الصهيوينة قد نشرت وثيقة لموقع الأرشيف الإسرائيلي الرسمي، تؤكد فيها أن رئيس الموساد في حكومة جولدا مائير حصل على معلومة من أشرف مروان، صهر جمال عبد الناصر والمستشار الخاص وموضع ثقة خلفه أنور السادات، عن اعتزام مصر وسوريا الهجوم على إسرائيل في السادس من أكتوبر عام 1973.

وتكشف الوثيقة أن مروان الذي كان في العاصمة البريطانية لندن وقتها، التقى تسفي زامير، رئيس الموساد خلال تلك الفترة، وأبلغه في الثالث من أكتوبر أن الجيشين، المصري والسوري، يوشكان على مهاجمة إسرائيل قبل مساء السادس من أكتوبر.

ووفقا للوثيقة، التي نشرها موقع الأرشيف الإسرائيلي تزامنا مع قرب حلول الذكرى الخامسة والأربعين للحرب، فإن مروان حذر من أن الهجوم سيبدأ من جبهتي السويس والجولان.

واشارت الوثيقة الى أن زامير اقترح على رئيسة الوزراء تسريب المعلومات التي حصل عليها من مروان لوسائل الإعلام الأجنبية قبل ساعات فقط من شن الهجوم.

ولم تنكر سلطات الانقلاب أن أشرف مروان كان جاوسا لإسرائيل، ولكن تحاول تجميل صورته القبيحة بأنه كان عميلا مزدوجا.

“الملاك”

أشرف مروان الذي توفي في حادث غامض إثر سقوطه من شرفة منزل في لندن في يوليو 2007. وأقيمت له جنازة رسمية في القاهرة، قامت سلطات الانقلاب بإنتاج فيلم للدفاع عنه باسم “الملاك” كمحاولة للرد على الأحاديث الإسرائيلية.

صدر فيلم «الملاك» مقتبسا عن الكتاب الصادر بنفس الاسم، الذي كتبه الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وأستاذ العلوم السياسية حالياً، يوري بار جوزيف، ويعد الكتاب أهم وأشمل ما صدر في مسألة أشرف مروان بشكل عام، ومن جهة الرواية الإسرائيلية بشكل خاص، حيث أنه يعتمد على المئات من وثائق الموساد وشهادات ضباطه وقادة إسرائيل إبان حرب أكتوبر، وكذلك اللقاءات التلفزيونية والحوارات الصحافية لشخصيات مصرية وإسرائيلية.

مروان والإسرائيليون

يرى كتاب «الملاك» أن أشرف مروان كان ملاكاً بالنسبة لإسرائيل فحسب، وذلك لأنه أنقذها حقاً ولولا تحذيراته لمُنيت إسرائيل بهزيمة كاسحة على الجبهتين المصرية والسورية، بدلاً من هزيمة جزئية على الجبهة المصرية وانتصار على الجبهة السورية. وبخلاف ذلك الكتاب يصوّر أشرف مروان بصورة واقعية، فهو شخص غارق حتى أذنيه في الفساد سواء من خلال منصبه الحكومي أو من خلال صفقاته المشبوهة كرجل أعمال في لندن، واختار العمل مع الإسرائيليين لعدة دوافع أبرزها أنه كان يريد العمل إلى جانب الطرف الرابح، وأنه يهوى المخاطرة، بالإضافة لطموحاته المادية، وكراهيته لعبدالناصر الذي وقف حاجزاً أمام هذه الطموحات ودأب على التقليل من شأن صهره.

أما فيلم «الملاك» فهو يحاول إضفاء صورة ملائكية أكثر من اللازم على مروان، فهو يعمل مع إسرائيل «حتى لا يموت الكثير من الأبرياء على الجانبين»، وفي هذا السياق لا يجيب الفيلم عن سؤالٍ يبدو بديهياً، فحينما تستعد إسرائيل للحرب بناءً على تحذير مروان، هل سيقلل ذلك من الضحايا الأبرياء أم أنه سيزيدهم؟ وسيزيدهم تحديداً في صفوف المصريين من بني وطنه، هذا بالطبع فضلاً عن تجاهل حقيقة أن هذا الملاك، الذي يضحي بحياته لأجل الأبرياء من الجانبين، قد جنى جلّ ثروته من تجارة السلاح.

يلجأ الفيلم أيضاً لهذه الصورة الملائكية حينما يخبر الضابط الإسرائيلي مروان بعد مرور سنوات على حرب أكتوبر، أن إسرائيل شكلت لجنة للتحقيق في أمره، وهي لجنة أغرانات التي حققت بالفعل في أسباب هزيمة إسرائيل، ويرد مروان على مشرفه الإسرائيلي بأنه لو كان هناك لسأل اللجنة: «هل صارت إسرائيل أفضل حالاً بعد اتفاقية السلام مع مصر؟»، ثم يجيب: «إذاً فقد أديّنا خدمة جليلة لوطنيّنا»، لم يسأل مروان عما إذا كانت مصر أيضاً قد أصبحت أفضل حالاً بعد اتفاقية السلام، ربما لأن غالبية المصريين يعتقدون أن الاتفاقية كانت النهاية الفعلية لآمال العرب بإمكانية القضاء على الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وبدلاً من ذلك يعتبر مروان أن تحسن حال إسرائيل بفضله دليلاً على إخلاصه لوطنه أيضاً! يختتم الفيلم بذكر مقتضب للنهاية الغامضة لأشرف مروان بسقوطه من شرفته في لندن، دون إشارة لاتهام مصر بقتله بعد انكشاف عمالته لإسرائيل، ويستمر في محاولة إضفاء المثالية على مروان من خلال ذكره أن هو الوحيد الذي يعتبر بطلاً قومياً في كل من مصر وإسرائيل، باعتبار أن ما ورد في الفيلم هو قصته الحقيقية، لكن الحقيقة التي تجاهلها صُناع الفيلم هو أن كلتا الدولتين تعتبران مروان بطلاً قومياً لأنهما تؤمنان ببساطة بأنه عمل لصالحها، وحينما تتضح الحقيقة في هذه القضية، فسيفاجأ صُناع الفيلم بكمِّ اللعنات التي ستُصبّ على رأس مروان، إما من هذا الطرف أو ذاك.

جدل مستمر

وشهدت الأيام الماضية حالة من الجدل عقب إطلاق شركة “نتفليكس” فيلمها الجديد “الملاك” في 14 سبتمبر الجاري، الذي سرد قصة مروان بأنه “يعتبر واحدا من أبرز وأهم جواسيس إسرائيل في القرن العشرين”، حسب الشركة.

والفيلم من إخراج الإسرائيلي أرييل فرومن وكتب سيناريو الفيلم ديفيد آراتا ولم يشارك أي ممثل مصري بهذا الفيلم وصفه مغردون على موقع “تويتر” بأنه لم يرق إلى المستوى الفني المطلوب.

واعتبرت سلطات الانقلاب على لسان الهيئة العامة للاستعلامات، أن أشرف مروان صهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والمستشار الخاص للرئيس الراحل أنور السادات “آخر شهداء حرب أكتوبر”، في إشارة لحرب 1973 التي جمعت مصر وسوريا ضد إسرائيل.

وفي صفحتها على “فيسبوك”، قالت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية: “كعادته ..غرّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على حسابه بتويتر بمناسبة (عيد الغفران) وذكرى مرور 40 عاما على اتفاقية كامب ديفيد، معترفا بفشل الاستخبارات الإسرائيلية فى توقع قيام المصريين بحرب أكتوبر ، كما أعترف بتكبد إسرائيل خسائر فادحة نتيجة الحرب”.

رابط دائم