في تمام السادسة مساء يوم الجمعة 11 فبراير 2011م، بث التلفزيون الرسمي بيانا مقتضبا للواء عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات العامة ونائب المخلوع حسني مبارك وقتها، يعلن فيه تنحي الرئيس الأسبق عن الحكم مفضلا صيغة “التخلي” بدلا من التنحي.

انطلق ميدان التحرير وكل ميادين الثورة في مشهد هستيري من الفرحة العارمة بين ملايين المصريين الذين امتلأت بهم شوارع المحروسة.

هناك في قصر الاتحادية كان مبارك قد توجه إلى شرم الشيخ قبل إذاعة البيان بساعات وعم الحزن أركان القصر والعاملين فيه، وعلى رأسهم عمر سليمان وأحمد شفيق رئيس الحكومة وقتها وزكريا عزمي رئيس ديوان رئاسة الجمهورية وغيرهم من قيادات الحرس الجمهوري والحزب الوطني.

معادلة السقوط

القول بأن الثورة وحدها -رغم أهميتها- هي التي أطاحت بمبارك لا أراه دقيقا أو معبرا عن حقيقة ما حدث، بل هو تسطيح للأمر في غير محله، ذلك أن هناك عدة عوامل مجتمعة كان تفاعلها معا وفي توقيت واحد أثمر عن معادلة من «4» أسباب، يمكن الجزم بأنها مجتمعة لا منفردة كانت وراء مشهد الثورة الأبرز مساء 11 فبراير بخلع مبارك وهتاك الملايين(الشعب خلاص أسقط النظام).

أول هذه العوامل وأهمها بل أخطرها على الإطلاق هو ثورة الشعب التي فاجأت العالم، وأبهرت بسلميتها ورقيها شعوب العالم، وجاء ثبات الثوار في الميدان أمام بغال وجمال وحمير مبارك في موقعة الجمل يوم 2 فبراير العامل الحاسم في اكتساب تعاطف المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية ومعظم حكومات أوروبا.

أما العامل الثاني فهو توجهات مبارك نحو توريث الحكم لابنه جمال، والذي تعاظمت صلاحياته بعيدا عن الدستور وكذلك تدخلاته في إدارة البلاد وتشكيل جبهة مؤيدة له من الساسة ورجال أعمال وإعلاميين وفنانين وسط حملة إعلامية كانت تروج لجمال باعتباره الرئيس القادم.

هذا الأمر تحديدا كان مثار غضب مكتوم داخل المؤسسة العسكرية التي كانت ترفض التوريث تحت أي زعم من المزاعم وجاءت الثورة فرصة لقيادات المجلس العسكري وضفته لإسقاط ملف التوريث للأبد، وهو ما يفسر تعامل المؤسسة العسكرية بقدر من التحفظ مع الثوار في الميدان وعدم تنفيذ مذبحة كما كان يرغب مبارك بحسب تسريبات مقربين من مطبح الأحداث. وإن كان ذلك لا يمنع من انحياز الجيش لمبارك كما حدث في معركة الجمل والسماح لبلطجية مبارك وتعذيب من يتعمل اعتقاله في السجون الحربية بواسطة المخابرات الحربية التي كان يديره عبدالفتاح السيسي وقتها.

يقول علي الدين هلال وزير الشباب في عهد مبارك والقيادي بمكتب السياسات التابع لجمال مبارك في حوار مع صحيفة المصريون يوم 12 نوفمبر 2016م: «فى نهاية حكم الرئيس مبارك لم يكن حاسمًا فى هذا الأمر كما كان من قبل، ومن أهم التصريحات التى تركت آثارًا سلبية لدى كثير من المصريين، لقاء الرئيس مبارك فى حديث مع صحفى أمريكى شهير يدعى “تشالى روز” سأله ما حقيقة الشائعات والأقاويل فى مصر على اتساع سلطته، وكانت إجابته أنه لم يتحدث معه فى ذلك من قبل، وسأله عن اعتقاده من سيكون رئيس مصر القادم أجاب الله أعلم.. أنا لا أعرف».

وثالث عوامل سقوط مبارك، هو وجود إدارة ديمقراطية على رأس أمريكا بقيادة الرئيس باراك أوباما، وهم رغم انحيازهم للكيان الصهيوني إلا أنهم أكثر إيمانا بالقيم الديمقراطية والحريات عن اليمين المتطرف الذي يهيمن على الجمهوريين، ولذلك جاءت تصريحات الرئيس أوباما ومطالبة مبارك أولا بإصلاحات جادة، ثم ضرورة تشكيل حكومة إنقاذ وطني جاءت عاملا مهمة للغاية ربما يكون أحد عوامل إحجام الأجهزة الأمنية عن التوسع في المذابح للثوار في الميدان حتى ارتقى قرابة 7 شهيد في كل أيام الثورة.

فلو كان ترامب مثلا رئيسا لأمريكا وقتها لانحاز على الفوز لاستبداد مبارك وحافظ على وجوده ولضغط في هذا الاتجاه. وربما كان نجح في الإبقاء على مبارك وحرضه على إقامة مذابح للثوار وعلى رأسهم الإسلاميين وهو ما قام به السيسي فيما بعد.

والعامل الرابع هو طول فترة مبارك في الحكم والتي بلغت 30 سنة، إضافة إلى تفشي الفساد بصورة كبيرة حتى إن الثوار كانوا يهتفون(كيلو القوطة بعشرة جنيه ومتر مدينتي بنصف جنيه!).

وبسؤاله عن أسباب سقوط الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، يقول علي الدين هلال: «طول مدة الحكم السبب الرئيس لأن طول مدة حكم رئيس الدولة هى طول مدة الرؤساء المحيطين به، فكما تشيخ الأفراد تشيخ النظم السياسية».

ويضيف «كذلك فكرة اختلاط السلطة بالثروة، لأنه يعطى الانطباع بأن التشريع يتم لصالح فئة معينة» حيث منح مبارك معظم أراضي مصر لكبار رجال الأعمال الموالين لنظامه بتراب الفلوس في الوقت الذي كان الشعب فيه يتجرع مرارة الفقر والحرمان.

دروس مستفادة

الآن وبعد مرور 7 سنوات على مشهد الثورة الأبرز، يمكن الجزم بأن المؤسسة العسكرية كانت أمينة على قرار مبارك الأخير قبل تنحيه عن السلطة حيث فوض المجلس العسكري بإدارة البلاد، وهو ما نفذته حرفيا فرغم إجراء انتخابات برلمانية وإقرار دستور 2012 وانتخاب رئيس جمهورية لأول مرة من جانب الشعب في منتصف 2012، إلا أن قرار مبارك الأخيرة وتفويضه كان أولى عند المؤسسة العسكرية من كل ذلك؛ فأطاحت بالتجربة الديمقراطية ونفذت انقلابا عسكريا دمويا واعتقلت الرئيس المنتخب وسفك دماء الآلاف من الثوار من كل الأطياف بدءا من الإسلاميين مرورا بالليبراليين والألتراس وصولا إلى اليساريين والمسيحيين، كل هذه المذابح كانت من أجل تنفيذ تفويض مبارك ونسف إرادة الشعب وسحق تطلعاته نحو الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة.

الخلاصة تم التضحية برأس النظام حتى يعيش النظام ، فلا يزال نظام عسكر 52 هو الذي يحكم البلاد بالحديد والنار، والجنرال عبدالفتاح السيسي، يحكم قبضته على مفاصل الدولة بيد من حديد مهددا أنه لن يسمح بثورة شعبية جديدة.

على الشعب وقواه الحية أن يدركوا أنهم أمام مرحلة مفصلية تستوجب لم الشمل، واحترام التنوع والاختلاع والاتفاق على ضرورة العودة إلى ثورة يناير على أن يكون الصندوق وإرادة الشعب هي الفيصل عند الاختلاف وليس دعم الانقلابات العسكرية التي ثبت أنها تدمر الأوطان وتقصي الشعوب.

رابط دائم