منذ أول يوم حكمت فيه عصابة العسكر، بعد انقلاب يوليو 1952، عرفت طريقها الفاشي للمذابح والإعدامات الجماعية، خاصة ضد جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت الغصة الوحيدة التي تقف في حلوق قيادات العسكر، وتفضح فسادهم وتقف في وجه استبدادهم، فما كان من الحكم العسكري بقيادة الراحل جمال عبد الناصر، إلا أن دشن مذابح جماعية ضد الإخوان المسلمين، على غرار المذابح التي كانت تعقدها حكومات الاحتلال الإنجليزي في مصر مثل مذبحة دنشواي.

إعدامات 54

صدر حكم “الإعدام الجماعي” الأول عام 1954، في قضية هزلية زعمت محاولة اغتيال الراحل جمال عبد الناصر، والتي عُرفت إعلاميًا بـ”حادث المنشية”.

وتم الحكم على ٧ من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين البارزين، منهم فضيلة المرشد العام الراحل حسن الهضيبي بالإعدام، لكن تم تخفيف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، ليمكث في السجن ثم الإقامة الجبرية بمنزله، ثم العودة للسجن مجددًا حتى عام ١٩٧١.

وضمت القائمة عددًا من أعضاء الجماعة مثل محمود عبد اللطيف، ويوسف طلعت، وإبراهيم الطيب، وهنداوى دوير، ومحمد فرغلى، والعالم الجليل عبد القادر عودة، كما تم الحكم على الأستاذ مهدي عاكف، الذي تولى مكتب الإرشاد فيما بعد، بالسجن المؤبد.

وتم نظر القضية أمام ما عُرف حينها بـ”محكمة الشعب ذات الطبيعة العسكرية”، برئاسة جمال سالم، وهو شقيق القائد العسكري الفاشي صلاح سالم، وعضوية حسين الشافعي، وأنور السادات، وانتهت القضية في ٤ ديسمبر.

وكان من أسباب القضية استيلاء العسكر على الحكم، والكشف عن نواياهم الخبيثة، وحينها طالب عبد القادر عودة “جمال عبد الناصر”، عام 1954، بضرورة إلغاء قرار حل جماعة الإخوان؛ حينما اتخذ هذا القرار لينفرد بالسلطة، ويعلن عن دولته الجديدة، فأجاب “عبد الناصر”: “كم عدد الإخوان؟ مليونان، ثلاثة ملايين.. إننى مستغنٍ عن ثلث الأمة، ومستعد للتضحية بسبعة ملايين إذا كان الإخوان سبعة ملايين”، وهنا غلب الذهول الشهيد “عودة”، وقال فى ثورة: “سبعة ملايين ثمنًا لحياة فرد.. ما أغناك عن هذا يا جمال!”. وكان هذا الموقف من الأسباب التى دفعت إلى المصادقة على حكم الإعدام.

ومن الأسباب كذلك، أن “عودة” كشف عن تعمد الضباط اتخاذ قرار بعزل “محمد نجيب” من رئاسة الجمهورية، فأقدم على استلام الراية وابتدر قيادة الحركة، ونظم عشرات الآلاف من الجماهير فى مظاهرة؛ وهو ما أرغم الضباط والوزراء على إعادة اللواء “محمد نجيب” رئيسًا للجمهورية المصرية.

ومن الأسباب كذلك، أن “عبد الناصر” أقدم على توقيع معاهدة مع الإنجليز، فطلب مكتب الإرشاد من الفقيه القانونى “عبد القادر عودة” أن يتناول الاتفاقية تناولًا قانونيًّا، بعيدًا عن أسلوب التحامل والتشهير، فجاءت الدراسة التى سُلمت إلى السلطات المصرية فى ذلك الوقت، دراسةً قانونيةً تبرز للعيان ما تجره الاتفاقية على البلاد من استبقاء الاحتلال البريطانى مقنعًا، مع إعطائه صفة الاعتراف بالشرعية.

وفى يوم الخميس الموافق 9 ديسمبر عام 1954م، كان موعد تنفيذ حكم الإعدام على “عبد القادر عودة” وآخرين، وتذكر بعض المصادر أنه حين تقدم “عودة” إلى منصة الإعدام قال: “ماذا يهمنى أين أموت؛ أكان ذلك على فراشي، أو فى ساحة القتال.. أسيرًا، أو حرًّا.. إننى ذاهب إلى لقاء الله”، ثم توجه إلى الحاضرين وقال لهم: “أشكر الله الذى منحنى الشهادة.. إن دمى سينفجر على الثورة، وسيكون لعنةً عليها”.

الشيخ سيد قطب وإعدامات 65

وكانت أشهر قضية إعدام في التاريخ المصري الحديث، إعدام العلامة صاحب الظلال الشيخ سيد قطب.

وكانت القضية التي تم إعدام صاحب الظلال فيها عام ١٩٦٥ رقم ١٢ لسنة ١٩٦٥، التي عرفت إعلاميًا بـ”تنظيم ٦٥”، واتُهم الآلاف من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بمحاولة إحياء التنظيم، ثم تم تحويل القضية إلى محكمة أمن الدولة العليا بتوقيع صلاح نصار، رئيس نيابة أمن الدولة العليا، وتم تقسيم المعتقلين إلى ٤ مجموعات، أكبرها وأشهرها المجموعة الأولى التي حُكم على ٧ منها بـ”الإعدام شنقًا”، وكان على رأسهم الشيخ سيد قطب.

وفى صيف 1966 وتحديدا يوم 29 أغسطس 1966، تم إعدام الشيخ الجليل سيد قطب أحد أعلام الإخوان المسلمين، وهو كاتب وأديب ومُنظّر إسلامى وعضو سابق فى مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، ورئيس سابق لقسم نشر الدعوة فى الجماعة، ورئيس تحرير جريدة الإخوان المسلمين.

وكان نص الاتهام الذى وجه لسيد قطب ومن كان معه فى ذلك الوقت: أنه فى الفترة من سنة 1959 حتى آخر سبتمبر 1965 بالجمهورية العربية المتحدة وبالخارج، حاول المتهمون تغيير دستور الدولة وتشكيل الحكومة فيها بالقوة، وتغيير نظام الحكم القائم باغتيال رئيس الجمهورية والقائمين على الحكم فى البلاد، وتخريب المنشآت العامة وإثارة الفتنة فى البلاد، ووضع نظام عبد الناصر 7 من قيادات جماعة الإخوان المسلمين للانتقام منهم، وبعد محاكمة علنية استمرت حوالى سنة، صدر الحكم بالإعدام على بعض المتهمين ومنهم سيد قطب، وتخفيف الحكم على آخرين، وكان من ضمن المتهمين محمد بديع المرشد الحالى لجماعة الإخوان المسلمين.

السيسي.. فاشية مختلفة

في دولة عبد الفتاح السيسي بعد الانقلاب العسكري 2013، اختلفت فاشية العسكر عن الفاشية التي عهدها المصريون، حيث صعّد السيسي من إجراءات المحاكمات الجماعية، باستصدار أحكام بالآلاف في قضية واحدة، في فضيحة دولية لم يشهدها التاريخ.

ومن أشهر قضايا الإعدام ما قضت به محكمة جنايات الجيزة، برئاسة المستشار محمد ناجي شحاتة، بإعدام 183 من جماعة الإخوان المسلمين، والسجن 10 سنوات لمتهم، وبراءة اثنين، وانقضاء الدعوى القضائية لاثنين لوفاتهما، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«مذبحة كرداسة».

كما تم الحكم في قضية مطاي بالمنيا، بالإعدام ضد ٥٢٨ من جماعة الإخوان المسلمين، وإحالتهم إلى المفتى في أحداث عنف بمركز مطاي بالمنيا.

وقررت الدائرة السابعة بمحكمة جنايات المنيا، إحالة أوراق ٦٨٣ من أعضاء وقيادات جماعة الإخوان بينهم الدكتور محمد بديع، المرشد العام للجماعة، إلى مفتى الجمهورية لاستطلاع الرأى الشرعى في إعدامهم.

وفى يوم الإثنين الموافق 24 من شهر مارس لعام 2014، صدّق المستشار سعيد يوسف صبرة، رئيس محكمة جنايات المنيا، وعضوية المستشارين إبراهيم وليد وطلعت جودة، على الحكم الصادر بحق 545 من الإخوان المسلمين، منهم 529 تمت إحالتهم إلى المفتى وتبرئة 17 آخرين.

وأيدت محكمة النقض، فى 5 فبراير الماضي، الحكم الصادر من محكمة جنايات الإسكندرية بتاريخ 19مايو 2014، بإعدام محمود حسن رمضان، المتهم بالاشتراك مع آخرين بإلقاء صبية من فوق سطح إحدى البنايات بمدينة الإسكندرية ، خلال اشتباكات بين مؤيدين ومعارضين لعزل الرئيس مرسى فى يوليو 2013.

وارتفع عدد من تم تنفيذ أحكام الإعدام ضدهم إلى 23 ضحية، من بينهم ستة شباب تم تنفيذ الحكم ضدهم في قضية ما يسمى “عرب شركس”.

رابط دائم