لم تمر ساعات على قصة تحرش شاب بوقاحة بفتاة في التجمع الخامس، بتتبعها ودعوتها للخروج معهم، وانقلاب قصة هذا المتحرش– على غير المتوقع– إلى إدانة للفتاة على مواقع التواصل، بل وفصلها من عملها، حتى وقعت عدة حوادث تحرش في صلاة عيد الأضحى، بعدما أضحى التحرش مقبولا مجتمعيا من فئة غريبة عن المجتمع.

الأمر لم يقتصر فقط على التحرش بالقرب من عشرات المساجد عقب صلاة العيد، بعدما كان قرب السينمات والمتنزهات فقط، ولكنه امتد إلى رقص فتيات بطريقة هستيرية أمام المساجد، وكذلك الشباب على أنغام “دي جي” وفّره لهم حزب سياسي موالٍ للسلطة، وتجمع المصلين حولهم معجبين، واعتبار صحف الانقلاب أن هذا من “مظاهر البهجة في العيد”!.

ورصدت كاميرات صحف ومصلين، هذا “التحرش” في منطقة الاحتفال المجاورة لمساجد شهيرة أبرزها “مصطفى محمود” بعد الصلاة، عبر فيديوهات انتشرت على مواقع التواصل يظهر فيها شبان يلتصقون بفتيات تجمعوا كلهم لمشاهدة عرض دي جي أقامه حزب “مستقبل وطن”، المدعوم من قائد الانقلاب، تضمن تحرشًا ورقص بناتٍ وشباب بطريقة فجة لا علاقة لها بالصلاة، كأن هذا هو “المستقبل” الذي يريده حزب السيسي لشباب مصر بعدما جلب أنصار السيسي الفتيات ليرقصوا أمام لجان الانتخابات وعلى جثث شهداء مصر.

وبسبب تزاحم الشباب والفتيات وتحول الحفل إلى تحرش شبه جماعي، تم إلغاء الحفل بعد ساعة تقريبا من بدئه؛ بسبب تعالي صراخ الفتيات ونهرهن الشبان عن التحرش بهن ووقوع مشاحنات عديدة.

والغريب أن هذا يجري تحت سمع وبصر أوقاف الانقلاب المشرفة على مسجد مصطفى محمود، والتي خالفت فتوى دار الإفتاء بعدم جواز صلاة الرجال بجوار السيدات، وتركت الساحة مفتوحة للجميع يجلسون بجوار بعضهم كأنهم في متنزه لا صلاة عيد، وسط مظاهر أخرى سلبية مثل التصفيق والتصفير عقب تسليم الإمام من الصلاة كأنهم في حفل غنائي، ثم هرولتهم نحو “دي جي” حزب مستقبل وطن، وترك خطبة العيد التي اضطر غالبية الأئمة لاختصارها إلى 5 دقائق فقط لغياب المستمعين وبدء الأصوات الصاخبة لاحتفالات إفساد المصلين.

وقبل الانقلاب كانت صلاة العيد يجري تنظيمها بواسطة شباب الإخوان المسلمين في مسجد مصطفى محمود وعمرو بن العاص وعشرات الأقاليم، ويجري تخصيص مصليات للنساء وأخرى للرجال، بخلاف احتفالات بسيطة بإطلاق البلالين وتوزيع الحلوى على الأطفال.

وعقب الانقلاب الذي يعادي التيار الإسلامي، جرى التهجم على العقيدة والدين بدعاوى “تجديد الخطاب الديني”، وتحويل مظاهر الأعياد إلى احتفالات على “دي جي” لرقص الفتيات والشبان والتشويش على خطبة العيد، وانتشار التحرش لغياب القيم والأخلاق، وهي أمور تحتاج إلى دراسة ما جرى للمصريين في السنوات الأخيرة ودور الانقلاب في ذلك، وهل السبب هو غياب التعليم الديني الصحيح وغياب الدعاة في السجون والمنافي، فضلا عمن استشهد وقصر تنفيذ الصلاة على وزارة الأوقاف.

ماذا حدث للشخصية المصرية؟

عام 2009، أجرى “مركز دراسات المستقبل” التابع لمركز معلومات مجلس الوزراء، دراسة حول مستقبل مصر عام 2013 من ناحية القيم والأخلاق، وتصادف أن أشرف على الدراسة خبراء مستقلون نسبيا، أصدروا دراسة صادمة حول مستقبل مصر قيميا وأخلاقيا، وبدلا من لحاق السلطة بهذه الظواهر الفاسدة التي حذرت منها الدراسة، جاء انقلاب السيسي ليعمق تدمير القيم والأخلاق، وينشر الفساد والإلحاد بدعاوى محاربة “التطرف والإرهاب”، ما انعكس على ما نراه الآن في صلاة العيد والشوارع وحتى داخل مساكننا من انهيار خلقي وقيمي.

الدراسة تحدثت في نتائجها عما سمّته (صفحات 26-27-28) “انقلابا صادما في منظومة القيم المصرية المتعارف عليها، والتي حفظت قوام الشخصية المصرية: من نخوة وشهامة واعتدال وتسامح وأريحية وإيثار ونجدة ودقة وإتقان وتفان إلى غير ذلك من قيم إيجابية، قبل أن ينقلب الوضع وتتسلل قيم سلبية غريبة إلى نسق القيم من شأنها الحيلولة دون إحداث تنمية، وتفرض ضغوطًا على تحقيق أية خطط حالية أو رؤى مستقبلية يأتي في مقدمتها الرؤية المستقبلية لمصر 2030”.

نظام الحكم الواحد سبب التدهور

وحذرت الدراسة التي أعدها عدد كبير من المثقفين والخبراء المصريين على المستويات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، من تدهور هذه المنظومة الأخلاقية والقيمية بين المصريين؛ بسبب غياب القدوة الحسنة وقيم العدالة والمساواة ونشر السلطة قيم الانحلال والتدني الاخلاقي.

ورصد الخبراء (من صفحة 77 حتى 86) ما سمّوه “انتفاء قيم الخير والحب” بين المصريين، حتى أصبح الخير والسعي إليه والعمل على تحقيقه سواء للذات أو للآخرين من الأمور النادرة، فكل شخص يتمنى الخير لنفسه ولذويه فقط، لهذا زاد الزهد في العطاء والعزوف عن أداء الخير، وتحدثوا عن “تراجع قيمة الإحساس بالأمان والطمأنينة” بسبب “طبيعة نظم الحكم الواحد”.

وأشاروا إلى “فقدان المصري للعفوية والتلقائية والقدرة على التحكم في المشاعر أثناء الضغط النفسي، وميله للاكتئاب أو السخرية بالفكاهة والنكت عما يعانيه.

انتفاء قيمتي العدالة والقدوة

وفي تحليلها لهذا الانهيار الصادم في قيم المصريين، تحدثت الدراسة عن انتفاء قيمة العدالة على كافة المستويات، حيث ارتفع شأن لاعبي الكرة والفنانين في الوقت الذي خسف فيه بمقام العلماء والمفكرين والمخترعين والرموز العلمية (أطباء – أدباء – مفكرين – علماء دين وعلماء علم – أساتذة ومعلمين)، مرورًا بانتفاء العدالة الوظيفية (المحسوبية) والسياسية (تزوير انتخابات) والاقتصادية (الرشوة والفساد وغياب الطبقة المتوسطة لصالح فئة قليلة من أصحاب المال)، والاجتماعية (تصعيد الفئات المنافقة وكتبة السلطة ومؤيديها) على حساب أصحاب الكفاءة العلمية والفنية والوظيفية الحقيقية (العلماء والأطباء والمهندسين والمفكرين… الخ)، ما انعكس على حالات إحباط متتالية لدى غالبية فئات الشعب كان لها أثر مدمر على الشخصية المصرية بسبب سياسات الإفقار.

وهكذا باتت قيم النفاق والنفعية والوصولية والتواكل والصعود على أكتاف الآخرين بدون مجهود هي الصفات الغالبة، وأصبح التفاني في العمل أو العلم والاختراع أو تعليم الأجيال غير مرحب بها وما ونتج عنه من كثرة ظواهر الانتحار لعدم القدرة على العمل رغم الحصول على مؤهل عال وعدم القدرة على الزواج.

كذلك انتشرت المخدرات بين الشباب، وظهرت عادات الزواج العرفي، وانتشرت الأفكار المتطرفة سواء الدينية (جماعات عنف جديدة أكثر شراسة متوقعة نتيجة الفساد والشعور بالظلم وأكثر تكنولوجيا، لأنها تتواصل بالإنترنت والوسائل الحديثة، أو الدنيوية، وجماعات عبادة الشيطان أو الشذوذ أو تجارة البنات والرقيق الأبيض والسحر والدجل والشعوذة).

وهو ما يفسر ظواهر بدأت تظهر مؤخرًا حتى في أفلام السينما، فلم يعد الضابط هو ذلك الرجل الذي يساعده الشعب في القبض على المفسدين واللصوص، وإنما تحول من صورة المواطن المصري الشجاع إلى رمز للظلم والبطش، وأصبح من الغريب مشاهدة الجماهير في قاعات السينما تصفق للخارجين عن القانون والمنحرفين والمتطرفين والبلطجية (كما هو الحال في الأفلام الأخيرة: خارج عن القانون –خارج عن القانون-الجزيرة-حين ميسرة) في المشاهد التي يضربون فيها رجال الشرطة؟!.

ويرجع ذلك إلى الاعتداءات البوليسية غير المبررة على المواطنين من قبل بعض رجال الشرطة سواء في منازلهم أو في أقسام الشرطة، وتصاعد لغة التعذيب والإهانة والتعالي من قبل أي صاحب سلطة (شرطي أو مسئول في جهاز كبير أو في وزارة أو أي جهة ذات سيادة) مما أدى إلى تصاعد حالات الكراهية والغضب لأجهزة السلطة بصرف النظر عما يقال إن من يقوم بهذه الممارسات الشاذة هم قلة من الضباط أو المسئولين، والسبب واضح وهو انعدام العدالة، فأصبح المواطن البسيط يحمل رجل الشرطة مسؤولية ما يعانيه من فساد. وزاد من هذا التوجه للإنسان المصري باتجاه العنف ضد الشرطة وأجهزة الدولة.

أيضا أصبح المجتمع في حاجة للقدوة، ولكن ما حدث كان تحولا سلبيا في هذا المجال، وظهور الضعف والخلل في شخصية القدوة، بداية من الزعماء السياسيين والروحيين، وانتهاء بلاعبي الكرة ومطربي الفيديو كليب الذين أسهم الإعلام في تلميعهم – ضمن عملية التلميع الإعلامي لرموز وقدوات سلبية – مما أدى إلى تشويه صورة القدوة.

ولأن القيم والقدوة أصبحت توزن بميزان المال والشهرة لا العلم أو المعرفة أو القيم الأدبية والسلوكية والدينية، فقد انعكس الأمر بوضوح على قيم الإنسان المصري الذي يتأثر غالبا بهذه الشخصية المحورية (القدوة)؛ لارتباط شعب النيل منذ الفراعنة بفكرة الشخصية الكاريزمية المؤثرة القائدة الموحية للشعب.

أيضا تحدثت الدراسة عن التفكك الأسري والانحلال الأخلاقي في وسائل الإعلام والسينما والمسلسلات وتأثيره على الشباب والفتيات، بجانب الانهيار الاقتصادي وغلبة قيم الفهلوة والنصب والفساد، والقمع السلطوي للحاكم الفرد الذي ينعكس على أبعاد المصلحين وأصحاب الأخلاق والقيم وتقريب المنافقين وأصحاب المصالح.

رابط دائم