في تراث الحارة كان يوجد ما يُعرف بـ”الفتوة”، وهو الذي كان يجمع من أهل الحارة “الإتاوات” مقابل حمايتهم من فتوات الحارات الحدودية، وكذلك من أجل فض النزاعات بينهم، إلا أن مفهوم “الفتونة” كما يعرفها المصريون في النموذج المثالي كان يتضمن صفات حميدة بجانب مسألة القوة كالشجاعة والشهامة و”الجدعنة” والوقوف بجانب الضعفاء، وهذا ما تقوم بعكسه جمهورية الانقلاب السيساوية.

في جمهورية الانقلاب التي ظهرت في 30 يونيو 2013، “الفتوة” الظالم هو أقرب في صفاته لـ”البلطجي” وكثيرا ما كان “البلطجية” أبعد عن النموذج المثالي للفتوة، فتجد “البلطجي” الذي يلبس ثوب الفتوة ينحاز لأغنياء الحارة على حساب فقرائها، ويسرف في فرض “الإتاوات” على الناس دون مراعاة لظروفهم، ويقمعهم أكثر مما يحميهم، ويمن عليهم بتلك الحماية من المخاطر الخارجية التي قد تحيط بهم من فتوات الحارات الأخرى.

وفي تطور اعتبره الموظفون “مفزعًا” في أسلوب فرض الإتاوات عليهم من قبل سلطات الانقلاب، أصدر اللواء سيد نصر، محافظ كفر الشيخ في حكومة الانقلاب، قرارًا بتحصيل راتب يوم شهريًا من جميع الموظفين بالمحافظة لصالح صندوق تحيا مصر، مضيفًا: “من لم يرغب في التبرع يتقدم بطلب به بياناته بأنه يرفض”.

تبرع أو تعتقل!

وأوضح “نصر” أن الأصل هو تحصيل التبرع من الراتب مباشرة بدون سؤال صاحبه، وعلى من لا يرغب في التبرع أن يتقدم بطلب رسمي، مشيرًا إلى أن قيمة “يوم التبرع” تتراوح من 6 إلى 20 جنيهًا، وهناك نحو 80 ألف موظف.

واعتبر محافظ كفر الشيخ، أن هذا المبلغ ليس بالكثير على الوطن وصندوق تحيا مصر، الذى يعالج المصريين ويقوم ببناء المنشآت، حيث سيتم تجميع كل عام من 7 لـ8 ملايين جنيه للصندوق بهذه الطريقة.

وتابع نصر: إن صندوق تحيا مصر مثل المسجد يقدم خدمات ويعالج المواطنين ويقدم العديد من الخدمات المجانية لغير القادرين ولهذا لا يمكن إجبار المواطنين على التبرع له.

قد نجحت كتابات الأديب الراحل نجيب محفوظ كثيرًا في تصوير جوانب عدة لحياة المصريين في الحارة مع فتواتهم والبلطجية، حيث الثورات والمعارك والانتصارات والهزائم، وقد تستطيع ملاحظة أن البلطجي كان يستمد قوته من “النبوت” وهو عصا غليظة تستخدم في العراك الشعبي، ومن حاشيته التي يستقوي بها لفرض هيمنته وسلطته، امثال الكاتب الصحفي مصطفى بكري، واللواء سيد نصر محافظ كفر الشيخ.

وكان البلطجي مثل السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي لا يأبه لرأي العامة فيه طالما يمتلك القوة لقمعهم في حال ما فكروا في الثورة عليه يوما، وهو دائم التهديد لهم، وكذلك آخذ في التحذير من الفوضى التي قد تنتج جراء اختفائه من المشهد!

عقلية السيسي

من جهته استنكر المستشار وليد شرابي المتحدث باسم حركة “قضاة من أجل مصر”، حجم الإتاوات التي يفرضها قائد الانقلاب في مصر على المواطنين، هذه العقلية التي يفكر بها البلطجي كانت تقوده إلى أحد المصيرين إما أن يظهر “فتوة” أو “بلطجي” آخر أقوى منه ويزيحه عبر قتله بنفس الأداة “النبوت” أو يخرج عليه الناس للتخلص منه وقتله في هبة مفاجئة لا تكون له في الحسبان.

وقال شرابي في تدوينة له على “فيس بوك”: “فيما مضى كان الفتوة النزيه يفرض الإتاوة على كبراء الحي ثم يعيد توزيع الإتاوة على المحتاجين والأرامل والأيتام من أبناء الحي، في حين كان البلطجي الخسيس في حي آخر يفرض الإتاوة على الفقراء والضعفاء وحرافيش الحي ثم يصرفها على نفسه وملذاته هو وبقية البلطجية ممن حوله”.

متابعًا: “فإذا كان مجلس نواب السيسي بصدد فرض 10 جنيهات دمغة (إتاوة) على المواطنين لصالح صندوق الرعاية الصحية والاجتماعية للقضاة فعلى كل عاقل عليه أن يسأل نفسه هل نحن أمام فتوة نزيه أم أمام بلطجي خسيس؟”.

رابط دائم