حين فاز إيمانويل ماكرون بالرئاسة في فرنسا قبل عامين، تفاءل بعضهم بأن يكون هذا الفوز البداية لظهور فرنسا جديدة، تدعم مبادئ الديمقراطية والحرية والمساواة، خصوصا وأن خصم ماكرون في تلك الانتخابات كانت زعيمة اليمين المتطرّف في فرنسا، مارين لوبان، التي تبنت أجندة عنصرية متشددة تجاه قضايا الهجرة واللاجئين. كما أنه كان أصغر من تولوا الرئاسة في تاريخ فرنسا (كان عمره 41 عاماً)، وجاء من خارج الأحزاب التقليدية الكبرى. ولكن بعد شهور قليلة اكتشفنا أن ماكرون ليس فقط لا يختلف كثيراً عمن سبقوه من رؤساء، من حيث السياسات والتوجهات، ولكنه ربما يكون أكثرهم سوءاً، تحديداً في ما يخص مسائل دعم الديمقراطية والحرية في بلدان شمال أفريقيا جنوب المتوسط، فالموقف الفرنسي مما يحدث في مصر وليبيا والجزائر لا يمكن وصفه بكلمة أقل من الانحطاط والانتهازية.

في ما يخص مصر، لم تتوقف باريس عن دعم واحد من أكثر الأنظمة ديكتاتوريةً في تاريخ البلاد، وذلك في مقابل الحصول على صفقات وعقود اقتصادية وعسكرية بمليارات الدولارات، تعهد بها وكلاء الثورة المضادة وحلفاؤها (السعودية والإمارات). ولم تجرؤ فرنسا على ممارسة أي نوع من الضغط على النظام الحالي، من أجل تحسين ملف حقوق الإنسان وعدم التضييق على الحريات الأساسية. في وقت توصف فرنسا بأنها مهد الحرية والإخاء والمساواة في أوروبا، وتدّعي أنها تحمل شعلتها وتبشّر بها حول العالم!

وفي ليبيا، بدا التورّط الفرنسي في دعم أمير حرب ومرتزق هو خليفة حفتر واضحاً. كما أنها عرقلت التوصل إلى تسوية سياسية حقيقية، إلى الدرجة التي وصل فيها الأمر إلى حد الخلاف العلني والتلاسن مع إيطاليا بشأن طرق معالجة الأزمة الليبية. كما تتوارد أخبار كثيرة بشأن دعم فرنسا الحملة العسكرية التي أطلقها حفتر قبل أيام للاستيلاء على العاصمة الليبية طرابلس. بل وصل الأمر إلى حد استدعاء رئيس حكومة الوفاق الوطني، فايز السراج، السفيرة الفرنسية في ليبيا، بياتريس لوفرابير دوهيلين، من أجل سؤالها عن حقيقة الموقف الفرنسي. فهي تنفي أي تورط فرنسي في دعم حفتر، وتؤكد أن بلادها ليست لها علاقة بهجومه على طرابلس. بل وتدّعي “أنها مارست عليه ضغوطًا لثنيه عن مهاجمة طرابلس، وأنها ستواصل تمرير رسائل إليه”. وذلك حسبما نقلت “العربي الجديد”. في حين لم يرق الموقف الفرنسي في مجلس الأمن إلى المستوى المطلوب من أجل وقف العملية العسكرية الجارية حالياً.

وفي الملف الجزائري، الوضع أكثر سوءاً، حيث حاولت فرنسا، في البداية، التدخل في مسار الأحداث، حين دعمت خريطة الطريق التي كان قد أعلنها الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، قبل استقالته. وهو ما دفع الجزائريين إلى استنكار هذا التدخل في شؤون بلادهم. ويبدو أن باريس قد فوجئت بالانتفاضة الجزائرية، ولم تتخيّل أنها قد تؤدي إلى إطاحة واحدٍ من أهم حلفائهم وانقلابهم في منطقة شمال أفريقيا، وهي التي دعمت نظامه على مدار عشرين عاماً الماضية! وبصراحة، لا يمكن الفصل بين تحرّكات حفتر في ليبيا وتزامنها مع ما يحدث في الجزائر، والمشترك بينهما هو باريس التي تخشى أن تؤدي الانتفاضة الجزائرية إلى تقليل نفوذها في منطقة شمال أفريقيا. وهو ما قد يفسّر صمتها المريب وموقفها المتردّد تجاه حملة حفتر على طرابلس.

لذلك، ثمّة تساؤل مهم حول مدى قبول فرنسا بوجود دول ديمقراطية في جنوب المتوسط الذي تعتبره حديقتها الخلفية التي لا يمكن التفريط بها، فمن شأن أي تغيير ديمقراطي في هذه المنطقة أن يؤثر حتماً على مصالح باريس ونفوذها في أفريقيا جنوب الصحراء. كما سيكون على باريس أن تتعاطى مع حكوماتٍ ديمقراطيةٍ منتخبة ليست بالضرورة متوافقةً مع رؤاها ومصالحها في هذه المنطقة الحيوية، ولنا في تورّط فرنسا في إجهاض التجربة الديمقراطية في الجزائر أوائل التسعينيات عظة وعبرة.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments