خسائرنا في التحكيم الدولي في خلال عام واحد، تعادل 41% من قرض صندوق النقد، فقد دفعت سلطات الانقلاب قرابة 5 مليارات دولار غرامات تحكيم دولي على مصر بسبب الفساد والمحسوبية وتعيين جهله وأبناء مسئولين لا اصحاب الخبرة لإدارة هذا الملف الخطير.

وهو ما يعني أننا انفقنا قرابة نصف قرض صندوق النقد الدولي (12 مليار دولار) الذي تحمل المصريون بسببه شظف عيش غير مسبوق جراء ما اكتنفه من تصاعد في الاسعار وهبوط في قيمة العملة، لنسدد بها غرامات التعويضات.

فقد خسرت مصر 3 مليارات دولار في قضية التحكيم الدولي التي رفعتها دولة الاحتلال ضد مصر خلال عام، بعدما لجأ الكيان الصهيوني للمحاكم الدولية للحصول عن تعويض عن الأضرار التي لحقت به وبشركاتهٌ بسبب انقطاع الغاز المصري، كما خسرت اخيرا 2 مليار دولار في قضية التحكيم الدولي التي رفعتها شركة يونيوس فينوسا الإسبانية ضد مصر بسبب ما حدث في مصنع الإسالة بدمياط، وباقي قضيتين آخرتين.

ورفعت “يونيون فينوسا”، الشريك الأجنبي في مصنع “دمياط للإسالة”، دعوى قضائية دولية ضد مصر في عام 2014، بسبب توقف مصر عن توريد الغاز المسال إلى مجمع دمياط، واعترفت وزارة البترول امام هيئه التحكيم أن السبب في فسخ العقد كان الرشوة والفساد في إتمام هذا العقد، ولكنها قالت للمصريين ان ثوره يناير هي السبب في وقوف مد الغاز لمعمل التسييل بدمياط وصدور تحكيم بمبلغ 2 مليار دولار!!.

وهذا نموذج واضح على الموارد التي يفقدها الوطن جراء الاهتراء الاداري في اجهزة الدولة المختلفة وتراجع كفاءتها في العمل منذ تولي العسكر السلطة قهرا، لأنه لو أدار هذه المفاوضات بشأن طلبات التعويضات فريق قانوني عالي القدرات، وقام بصياغة الاتفاقات مع هذه الشركات بإحكام، لأمكن تفادي هذه النتيجة التي ستجعل الشعب يتكلف دفع أموال باهظة كثمن لأخطاء طابور طويل من المحامين والقانونيين والسياسيين والبيروقراطيين غير الاكفاء.

وفي عام 2015، ألزمت محكمة تحكيم دولية بباريس مصر بدفع نحو ملياري دولار على سبيل التعويض بسبب توقف إمدادات الغاز لإسرائيل وطعنت الحكومة على الحكم ابريل 2017 ثم ايدت محكمة سويسرية حكم المحكمة الدولية بباريس.

وستؤدي خسارة مصر قضية تحكيم دولي ضخمة ودفع 2 مليار دولار لصالح شركة أسبانية-إيطالية لدفع مصر المبلغ من أصول الدولة ولا يعرف بعد هل الدفع سيكون ثروات أم أرض، وأكدت صحيفة “فاينانشال تايمز” أن مصر ستدفع المليارين دولار في صورة غاز، بخلاف ما سيؤول إلى وزيري البترول السابقين سامح وهادي فهمي، ورجل الاعمال يحيى الكومي من هذه التعويضات.

وقالت الصحيفة البريطانية، إنه من المرجح أن يتم دفع مبلغ ملياري دولار على شكل إمدادات غاز متجددة إلى دمياط بدلا من الدفع نقدا.

74 مليار دولار

تاريخ التعويضات التي دفعتها مصر نتيجة التحكيم الدولي واصدار دوائر الحكم الفاسدة قرارات اتصفت بالعشوائية والمحسوبية، لا يقتصر على 5 مليارات دولار، فقد دفعت مصر 74 مليار دولار غرامات وتعويضات تحكيم دولي خلال الـ 10 سنوات الماضية، منها 13 مليار دولار لشركات إسرائيلية بسبب الغاز الطبيعي آخرها تعويض 2 مليار دولار لشركة الكهرباء الإسرائيلية.

حيث دخلت مصر 23 قضية تحكيم دولي بإجمالي تعويضات 74 مليار دولار وخسرتهم كلهم من أول قضية رجل الاعمال “سياج” حتى الشركة الاسبانية الإيطالية ولا تزال قائمة قضايا التعويضات طويلة.

تعويضات التحكيم

ويقدر الخبير الاقتصادي إبراهيم نوار حجم التعويضات في قضايا التحكيم ضد مصر بحوالي 113 مليار جنيه، ويقول عبر صفحته على فيس بوك في تحليله لأحكام التعويضات التي حصلت عليها الشركات الاسرائيلية في التحكيم ضد مصر، وكيف تأكل قيمة التعويضات قيمة العوائد من حقل ظهر التي تبددت، أن الحكومة التي بنت تقريبا كل خطة تدفقاتها النقدية على حصيلة تصدير غاز حقل ظهر سقطت في فخ احكام التعويضات الدولية بسبب فساد الاتفاقيات السابقة مع شركات الغاز الاسرائيلية والعالمية.

ويشير لان الخزانة الدولارية للحكومة خاوية على عروشها ومدينة بما يقرب من 100 مليار دولار، واصبحت الحكومة في ورطة جديدة لأنها لن تتمكن من سداد قيمة التعويضات، وستتحمل اعباء الفوائد على المبلغ القائم (غير المدفوع) خلال الفترة منذ صدور الاحكام وحتى انتهاء السداد، لهذا ستعرض ما تملكه على الشركات المستحقة للتعويضات.

وبما ان الحكومة لا تملك شيئا غير اصول قطاع الاعمال العام والاراضي والغاز، فإنها ستعرض مبادلة التعويضات بالغاز، هي لا تملك غير ذلك، ما يعني أن الغاز المصري المستخرج سيذهب (عندما تتاح منه كميات للتصدير) الى شركات يونيون فينوسا للغاز الاسبانية، وشرق المتوسط لأنابيب الغاز الاسرائيلية، والى مؤسسة الكهرباء الاسرائيلية.

ويرجع الخبير الاقتصادي، الامر الي “سياسات الطاقة” التي تتبعها الحكومات المختلفة منذ ما قبل 25 يناير، والتي اتسمت بالتفريط الفادح في حقوق ثروة النفط والغاز والتي هي ملك للشعب وليست ملكا للحكومة.

ويؤكد أن حكم التعويض لصالح الشركة الاسبانية الاخير ضد مصر، ليس الأول، فقد سبق وان حصلت مؤسسة الكهرباء الاسرائيلية حكما بالتعويض بلغت قيمته ما يقرب من 1.8 مليار دولار بدون احتساب الفوائد ومصاريف التقاضي، كما حصلت شركة شرق المتوسط للغاز حكما بالتعويض بقيمة 1.03 مليار دولار قبل احتساب اتعاب التقاضي واسعار الفائدة المستحقة.

وبذلك تكون تكلفة احكام التعويضات الثلاثة المذكورة حوالي 4.8 مليار دولار، وإذا اضفنا الى ذلك قيمة اسعار الفائدة المستحقة واتعاب التقاضي في القضايا الثلاثة (نقدرها بنحو 1.5 مليار دولار)، فان تكلفة هذه التعويضات على الخزانة المصرية تصل الى 6.3 مليار دولار! أو ما يعادل حوالي 113 مليار جنيه مصري.

وكانت صحيفة اليوم السابع زعمت أن التحكيم الدولي بوزارة العدل يجنب مصر خسارة 25 مليار جنيه تعويضات، ونقلت في يناير 2017 عن “مصادر مطلعة”، أن الإدارة العامة للتحكيم الدولي بوزارة العدل نجحت خلال شهر ديسمبر 2017 في حل العديد من المنازعات الاستثمارية وتقديم الرأي القانوني في قضايا التحكيم الدولي الناشئة بين الأفراد والمؤسسات أو بين المستثمرين والدولة المصرية، وتم تجنيب مصر ضياع 25 مليار جنيه سواء تعويضا منها، أو فقد مشروعات استثمارية بسبب منازعات عقود الاستثمارية!!.

أشهر القضايا

وأشهر قضايا التعويضات التي تحمل المصريون دفع نفقاتها هي قضية “سياج” للاستثمارات السياحية حول أرض طابا، حيث اتهمت مصر “سياج” ببيع اراضي يمتلكها في طابا لمستثمرين إسرائيليين، فصادرتها ولجأ “سياج” الي التحكيم الدولي التابع للبنك الدولي في واشنطن، والذي أصدر حكم بتغريم مصر 300 مليون دولار.

ويليه حكم مركز التحكيم الدولي بـ “مدريد” الصادر بتغريم مصر 530 ملايين دولار في قضية وزارة الطيران المدني وهيئة بريطانية حول مطار “رأس سدر”، وما حدث بقضية الهرم أو جنوب الباسفيك بين وزارة السياحة وشركة بريطانية حول هضبة الهرم بعد قيام الجانب المصري بفسخ العقد المبرم ليُصدر حكم تحكيم ضد مصر بمبلغ قدره 36 مليون دولار، وبعد تسوية الأمر تم دفع حوالي 19 مليون جنيه.

وأهم أسباب القضايا التي تتورط بها مصر هو انتشار مراكز التحكيم الدولي بشكل عشوائي دون رقابة من وزارة العدل مما أخرج عدد من المحكمين يحملون كارنيه محكم دون كفاءة، أو قدرة على صياغة عقود وهو ما تسبب في خسارة تلك القضايا في الوقت الذي لا يتم فيه اللجوء الى أصحاب الخبرة في المجال، بالإضافة الى عامل تضارب سياسات الاستثمار وقوانين التجارة الدولية وعدم إلمام البعض بالاتفاقات الدولية.

كما أن السبب الرئيسي لزيادة قضايا التحكيم الدولي هي الاتفاقيات الاستثمارية الثنائية التي عقدتها مصر مع أكثر من 100 دولة حول العالم، وهي الاتفاقيات التي تنص على اللجوء إلى التحكيم الدولي في حالة الخلاف، خاصة أن تلك العقود لا تخضع لرقابة القضاء المصري قبل إبرامها.

رابط دائم