يكاد يكون هناك شبه إجماع بين الخبراء والمتخصصين الموالين لنظام 30 يونيو، حول انهيار منظومة الإعلام الرسمية خلال فترة ما بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، ولا يكاد يجادل أحدهم حول التراجع الحاد في نسب المشاهدة للفضائيات وتراجع نسب التوزيع للصحف الحكومية والخاصة على حد سواء.

وقبل تناول هذه الملف الخطير، علينا الإقرار بأن الإعلام كان له دور بارز في التحريض على الانقلاب على أول تجربة ديمقراطية، من خلال قلب الحقائق وتضخيم التوافه، والتركيز على تشويه صورة الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي والتيار الإسلامي الواسع الذي ينتمي إليه، في ظل أجواء غير مسبوقة من الحريات والتنوع والتعدد وفضاء كان يشهد منافسة شرسة على كسب المشاهد وضخت قوى إقليمية مثل الإمارات والسعودية مليارت ضخمة لتسهم في التمهيد والتحريض على الانقلاب الدموي.

لكن ما الذي جرى بعد 30 يونيو؟ لماذا تراجع تأثير الإعلام الحكومي والخاص على نحو سواء بهذه الشكل المزري؟ وما العوامل التي أسهمت في ترنح إعلام العسكر والمخابرات؟

الاستبداد وسحق التعددية

أول وأهم الأسباب على الإطلاق هو شيوع الحكم الاستبدادي، وقتل الديمقراطية، وسحق التنوع والتعدد الذي كان قائما قبل 30 يونيو، فتمت إغلاق عشرات الفضائيات وحجب مئات المواقع الإخبارية وغلق أكثر من 10 فضائيات.

فلا صوت إلا صوت المؤسسة العسكرية والحاكم الإله، الذي يمجده الإعلام ليل نهار، ويسبح بحمده صباح مساء، ففشله إنجازات، وإخفاقه أمجاد، ومشروعاته الوهمية لم تحدث في عقود طويلة، ولكن الشعب جحد ولا يعلم فضل السيسي عليه!

انظر حولك!.. لن تجد فارقا يذكر بين هذه الفضائية وتلك، ولا بين صحيفة حكومية وخاصة، لأن مصدر الجميع واحد، ولا يجرؤ أحد على بث أو نشر ما لا تريده المخابرات والأجهزة الأمنية. ولذلك لم يعد الشعب يجد صوته فيها بل تيقين أنها تعبر عن السلطة لا عنه، وتخدم النظام الحاكم على حساب مصلحة الشعب والوطن فهجرها وانتقل إلى فضائيات الثورة لأنه وجد صدى صوته وهمومه فيها.

يقول الخبير الإعلامي الدكتور ياسر عبدالعزيز في مقاله المنشور السبت 11 فبراير 2018م بعنوان «بل الدولة عبء على الإعلام»: «بات معظم المجال الإعلامى تحت السيطرة التامة للحكومة، بشكل أفقده ميزة التنوع والتعدد، وجعل معظم رسائله متشابهة، لأن مصدرها واحد، وهو أمر جعل مسألة اختيار المذيعين وأطقم العمل فى النسبة الغالبة من وسائل إعلامنا بيد الحكومة وحدها، أو بمشاركة حلفاء من المؤيدين والداعمين».

سيطرة الأجهزة الأمنية
السبب الثاني هو سيطرة المخابرات والأجهزة الأمنية على فضاء الإعلام، ولعل تسريبات صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية للضابط أشرف الخولي كانت أبرز دليل على ذلك.

يقول محمد أمين الصحفي بالمصري اليوم في مقاله “إعلام الأجهزة الأمنية” الأربعاء 7 فبراير2018م: «قد أفسدت الأجهزة الإعلام فى غياب الوزارة المختصة.. ولا أتخيل أننا يوم طالبنا بإلغاء الوزارة، ومنصب الوزير، لكى تحل محلها أجهزة الأمن!». ويضيف «كان يكفى الأجهزة أن تدير تليفزيون الدولة، فلم يحدث يوماً أنه كان يُدار بعيداً عن الأجهزة الأمنية، فما هى حاجتها لأن تشترى فضائيات من أصحابها، وما حاجتها لأن تساهم فى صحف يومية؟.

ورغم كل هذا فقد تراجعت نسب المشاهدة، وتخلّفت الرسالة، ولم تصل إلى الجمهور المستهدف بأى حال.. خصوصاً أن الدولة قبل أن تسيطر على الإعلام، كانت قد ضربت رموز الإعلام، وسرَّبت عنهم تسريبات تضرب مصداقيتهم، وأصبح أمامها شىء واحد، وهو الاستعانة بفتوات الشاشة، الذين تجاوزوا كل القواعد المهنية، وأصول الصنعة».

ويتساءل ياسر عبدالعزيز: «لماذا باتت الدولة عبئًا على الإعلام والإعلاميين المنفلتين والجهلاء؟»، ليرد على ذلك مضيفا «ببساطة، لأنها تسعى إليهم، وتوظفهم فى أهم المواقع، وتدفع لهم أفضل الرواتب، وتتسامح مع أخطائهم الكارثية، وتتغاضى عن محاسبتهم أو عقابهم حين يرتكبونها، فضلاً عن أنها تبعد المهنيين، وتعاقب الملتزمين، وتغرى بهم، وتحرض عليهم».

ويضيف عبدالعزيز: «الحكومة تقود المشهد الإعلامى، وتشرف عليه، وتدير معظمه، وتملك أكبر الحصص فيه، ومع توالى الأخطاء الكارثية والتراجعات المهنية فى هذا العهد، تتحمل هى المسؤولية كاملة، وتتحول إلى عبء على الإعلام والإعلاميين، وعلى رأسهم هؤلاء المساكين من الجهلة المخطئين».

شيوع النفاق

أما السبب الثالث فهو تأصل روح النفاق بين غالبية المذيعين والصحفيين، فهم مؤهلون تلقائيا للنفاق والتزلف للحاكم الإله، وربما حفاظا على مرتباتهم المرتفعة ومكاسبهم التي لا يتحملون فقدانها أو خسارة بعهضا.

فعمرو أديب زوج الإعلامية لميس الحديدي يتقاضي سنويًا 4 ملايين دولار سنويًا، أي ما يعادل 86 مليون جنيه مصري، عن تقديمه أنذاك برنامج “القاهرة اليوم” علي قناة “اليوم”، والآن هو يعمل علي قناة “ON E” ويقدم من خلالها برنامج “كل يوم”.

أما إبراهيم عيسي ومحمود سعد فجاءا في المرتبة الثانية ويبلغ ما يتقاضاه سنويًا 16 مليون جنيه، وذلك عن مجمل ما يقدمونه علي الإذاعة والشاشة، والأجر الذي كان يتقاضاه الإعلامي إبراهيم عيسي من قناة “OSN” خارج تلك الإحصائية.

وفي عام 2015 كانت أجر الإعلامي وائل الإبراشي 15 مليون جنيه سنويًا عن تقديم برنامجه “العاشرة مساءً” علي قناة “دريم2”.

وجاء يوسف الحسيني وخيري رمضان في المرتبة الرابعة عن أجر 14 مليون جنيه يتقاضوه سنويًا، فالأول عن تقديمه برنامج “السادة المحترمون” علي قناة “ON TV”، أما الثاني فكان يقدم برنامج “ممكن” علي قناة “CBC”.

وقد أبرز انقلاب 30 يونيو أردأ نوعية من المذيعين يتكسبون من الكذب، ولا يخجلون من صناعة الإفك، يل ينافسون بعضهم في أيهم أكثر كذبا ونفاقا وافتراء!

لذلك تتنافس فضائيات المخابرات والأجهزة الأمنية على نوعية من أمثال أحمد موسى، وأماني الخياط، وعبدالرحيم علي، ويوسف الحسيني، وعمرو أديب ولميس الحديدي وخيري رمضان وتامر أمين، وتوفيق عكاشة ووائل الإبراشي، كلهم دون استثناء مؤهلون تلقائيا للنفاق والتزلف وهي آفة المصريين منذ آلاف السنينين فهم محترفون في صناعة الحاكم الإله الفرعون الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويتقاضون الملايين من أموال الشعب ثم يتاجرون بمعاناته وآلامه مكرسين حكم الاستبداد لسحق الشعب ومص دمائه وخيراته!

رابط دائم