حملة البروباجندا التي انطلقت منذ أسابيع على جميع الفضائيات والصحف الموالية للنظام العسكري في مصر حول قوة الجنيه وتراجع الدولار ما بين 20 إلى 30 قرشا، والإشادة الواسعة التي عبرت عنها أبواق النظام الإعلامية مع تراجع الدولار من 17,9 إلى 17,6 جنيها، واعتبارها ذلك دليلا على قوة مناخ الاستثمار في مصر ؛ عصفت بها فجأة تقديرات وزارة المالية بحكومة الانقلاب مساء أمس الأحد 10 فبراير 2019م برفع تقديراتها المبدئية لسعر صرف الدلولار مقابل الجنيه في ميزانية السنة المالية الحالية (2018/2019) وكذلك متوسط سعر الفائدة على أدوات الدين الحكومي.

وقدرت الوزارة في تقرير نصف سنوي متوسط سعر صرف العملة المحلية عند 18 جنيها للدولار في السنة المالية التي تنتهي في 30 يونيو، بدلا من 17.25 جنيها في التقدير السابق. وزادت تقديراتها لمتوسط سعر الفائدة على الأذون والسندات الحكومية إلى 18.6 في المائة، من 14.7 في المائة. وسجلت العملة المصرية أمام الدولار اليوم الأحد 17.605 للدولار، مقارنة مع 17.960 جنيهاً في 23 ديسمبر الماضي.

إلى ذلك، عاود معدل التضخم للارتفاع في شهر يناير الماضي، وسط انفلات كبير في أسعار الأغذية لاسيما الخضروات، والكهرباء ومنتجات الوقود، بينما يتوقع أن تشهد البلاد المزيد من الغلاء خلال الأشهر القليلة المقبلة مع إلغاء الحكومة معظم دعم الوقود منتصف العام الجاري 2019. وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي، اليوم الأحد، أن التضخم السنوي لأسعار المستهلكين بالمدن ارتفع إلى 12.7% في يناير/ كانون الثاني، مقابل 12% في ديسمبر. وأظهرت بيانات الجهاز، ارتفاع أسعار مجموعة الخضروات على أساس سنوي بنسبة 28.8%، والخبز والحبوب بنحو 21.5%، الأسماك 9.8%، اللحوم 5%، الألبان 4.5%، والزيوت 2.1%، فيما ارتفعت جميع السلع الأخرى.

فك لغز تراجع الدولار!

وبهذه التقديرات فقد فكت الحكومة لغز تراجع الدولار بشكل مفاجئ وتحسن قيمة الجنيه بلا مقدمات وهو اللغز الذي استعصى على فهم الكثير من الخبراء والمحللين الاقتصاديين؛ ذلك لأن كل توقعات البنوك ومؤسسات الاستثمار المحلية والعالمية كانت تصب في اتجاه واحد، هو توقعات بارتفاع سعر الدولار في السوق المصرية خلال الأشهر المقبلة وليس تراجعه كما يجرى حالياً.

وبحسب هؤلاء فإن مبررات ارتفاع الدولار كثيرة ومنطقية، منها مثلا ضخامة المديونيات الخارجية المستحقة على مصر خلال العام المالي الجاري والبالغ قيمتها 14.75 مليار دولار، وانسحاب 11 مليار دولار من الأموال الساخنة من أدوات الدين المصرية خلال تسعة شهور من العام الماضي، إضافة إلى تأخر وصول الشريحة الخامسة من قرض صندوق النقد الدولي البالغ قيمتها ملياري دولار والتي تسلمتها حكومة الانقلاب منذ أيام قليلة. كما أن إلغاء آلية تحويلات المستثمرين الأجانب من قبل البنك المركزي، ورفع سعر الدولار الجمركي من قبل وزارة المالية، وفتح باب إستيراد الأرز الصيني، هي قرارات كان من شأنها زيادة سعر الدولار، وليس العكس كما حدث.

ووفقا للخبير الاقتصادي مصطفى عبدالسلام فإن هذا التراجع المفاجئ للدولار مفتعل بتدخل مباشر من البنك المركزي في محاولة لامتصاص الصدمة الناتجة عن تصريحات طارق عامر محافظ البنك المركزي التي أثارت القلق في سوق الصرف ودفعت سماسرة السوق السوداء للتأهب للمضاربة في العملة المحلية مجدداً، كما دفعت هذه التصريحات المثيرة المدخرين والمضاربين لحيازة المزيد من الدولار وتخزينه وحبسه عن السوق، بل إن بعض المصريين العاملين في الخارج توقف عن إرسال النقد الأجنبي لذويهم داخل مصر ترقباً لارتفاع سعر الدولار.

ومن هنا أراد البنك المركزي أن يبعث برسالة إلى الأسواق المالية عبر خفض سعر الدولار، رسالة مفادها أن تصريحات المحافظ التي قال فيها إن العملة ستشهد مزيداً من التذبذب كانت تعني تراجع سعر الدولار وليس ارتفاعه كما توقع كثيرون، وأن من يراهن على ارتفاع العملة الأميركية سيتعرض للخسائر، وأنه لا عودة للوراء، وأنه سيتم وأد أية محاولات لعودة السوق السوداء التي اختفت منذ نهاية العام 2016. وعبر هذه الرسالة سعى البنك المركزي إلى هز ثقة المدخرين في الدولار، ومحاولة إبعادهم عن اكتنازه مرة أخرى عبر خفض قيمته مقابل الجنيه.

وفي الوقت نفسه بعث المركزي برسالة عملية إلى صندوق النقد الدولي مفادها بأن سوق الصرف الأجنبي في مصر مرن ويخضع للعرض والطلب، وأن سعر الدولار مقابل الجنيه ليس ثابتاً كما يقول مسؤولو الصندوق لأعضاء الحكومة المصرية في الغرف المغلقة. وفي هذا السياق حذر مسئول في أحد البنوك المصرية لوكالة رويترز من هذه التدخل واعتبره بمثابة لعب بالنار وإثارة القلق في سوق صرف مستقر منذ أكثر من عامين، وإعادة أجواء ما قبل تعويم الجنيه في نهاية العام 2016، محذرا من خطورة التراجع المفتعل للدولار.

“فوائد الديون” تلتهم 80% من الإيرادات!

بالتزامن مع هذا التراجع المفتعل للدولار، أظهرت بيانات وزارة المالية بحكومة الانقلاب أن فوائد الديون والأقساط المستحقة تلتهم أكثر من 80% من الإيرادات العامة للدولة خلال العام المالي الجاري، وهي النسبة الأعلى في تاريخ الموازنات المصرية، بعد أن تسببت عمليات الاقتراض الواسعة خلال السنوات الأربع الماضية في الوصول بالدين العام إلى ما يقرب من ثلاثة أضعاف ما قبل تلك السنوات.

وكشف وزير المالية بحكومة الانقلاب، محمد معيط، عن أن فوائد وأقساط الديون تناهز نحو 800 مليار جنيه (45.2 مليار دولار) في موازنة العام المالي 2018 /2019، بواقع 541 مليار جنيه فوائد، و246 مليار جنيه أقساط مستحقة السداد. ولم يفصح الوزير عن نسبة فوائد الديون والأقساط إلى إجمالي الإيرادات العامة للدولة، لكن بيانات الموازنة التي جرى الإعلان عنها في يوليو 2018، أشارت إلى أن الإيرادات المتوقعة للعام المالي الجاري تبلغ 989 مليار جنيه (55.8 مليار دولار)، ما يجعل الفوائد وأقساط الديون تلتهم نحو 81% من الإيرادات.

وزادت الديون المصرية بشكل مخيف خلال سنوات ما بعد انقلاب 03 يوليو 2013م؛ وارتفعت بنسبة 200% حيث ارتفع من 1.83 تريليون جنيه نهاية يونيو 2013، إلى 5.54 تريليونات جنيه نهاية سبتمبر 2018. وبحسب بيانات البنك المركزي المصري، ارتفع الدين العام المحلي من 1527.4 مليار جنيه نهاية يونيو 2013، إلى 3887 مليار جنيه نهاية سبتمبر2018 بنسبة زيادة بلغت 155%. وارتفع الدين العام الخارجي من 43.2 مليار دولار نهاية يونيو 2013، إلى 93.1 مليار دولار نهاية سبتمبر 2018 بنسبة زيادة بلغت 115%.

ووفق وثائق قرض “صندوق النقد الدولي” لمصر، البالغ 12 مليار حصلت منها على 10 مليارات، فإن حكومة العسكر مطالبة بتدبير 20.4 مليارات دولار، خلال 5 سنوات لخدمة الدين الخارجي سواء فوائد أو أقساط مستحقة.

رابط دائم