كان يومًا مشهودًا؛ يوم خرج أسيادنا أهل غزة ليفشلوا مخططات العملاء؛ وليقولوا للعالم -وبصوت عال-: إن “حق العودة” إلى الأرض السليبة لا يسقطه الزمن، ولن يمنعه وكيل عربى للصهاينة، وأن ما يطلقون عليه “صفقة القرن” سيبقى وساوس نفس وأضغاث أحلام تفسد عيش من أطلقوها..

شتان بين جماهير عربية مسلمة أصيلة تطالب بـ”حق العودة” واسترداد ما اغتصب من أرض مباركة خصها الله بالذكر فى كتابه الكريم، وعروش وجيوش فاسدة بائدة، تلّح فى تنفيذ “صفقة” يتنازلون بمقتضاها عن تلك الأرض المقدسة؛ فيشردوا أهلها، ويشطبوا من سجلات التاريخ بلدًا تربطه علاقة أزلية بالسماء؛ فأى خيانة بعد هذه الخيانة ؟!..

يشهد التاريخ القريب أن تلك النذالة لم تكن هى الأولى فى تاريخ هؤلاء الكارهين لدين الله، الداعمين لتمكين العلمانية البغيضة فى مؤسسات بلادنا، بل مرت حوادث هى أشد قسوة ضاع خلالها الجزء الأكبر من فلسطين، التى عاش أهلها على مدار عقود عيش اللاجئين المشردين، بعدما فقدوا كل شىء إلا إيمانًا بقدسية أرضهم، وبحقهم فى منع أى غريب من احتلالها بادعاء حق تاريخى أو ميراث دينى، وبعدما أيقنوا أن “إخوانهم فى العروبة” قد والوا عدوهم، وقد أيقنوا كذلك ألا حل لقضيتهم أو الخروج من مأزقهم الكبير إلا بالاعتماد على الله أولا، ثم على قدرات رجالهم، وإن كانت قليلة أو بسيطة أو متواضعة.

لقد شرع اليهود فى بناء دولتهم اللقيطة قبل صدور وعد بلفور بزمن، ثم كان هذا الوعد المشئوم إيذانًا بإعلانهم الحرب على أصحاب الأرض، فهل سمعنا تحركًا لقيادة عربية فى الحكم؟ أو هل سجل التاريخ اعتراض رئيس أو وزير أو ملك أو أمير من العرب؟ لم نسمع بهذا. إنما سجل التاريخ أن ثورات شعبية تصدت للصهاينة فى الداخل الفلسطينى، وسجلت انتصارات كبيرة عليهم، ساندتها فعاليات وأنشطة شعبية أخرى فى دول عربية على رأسها مصر. ويعد عام 1936 هو الأكثر شهودًا لتلك الانتفاضات؛ إذ ظهرت قيادات إسلامية شعبية أحيت وعى جماهير الداخل، ولفتت أنظار الرأى العام العالمى إلى عدالة القضية الفلسطينية..

نعم تحركت عروش وجيوش، ووضعوا النقاط فوق الحروف، وقالوا لا طاقة لنا بقتال اليهود؛ ضعفًا وجبنًا، حتى سمعنا النقراشى رئيس وزراء مصر، كبرى الدول العربية، يرد على سؤال: ماذا أنتم فاعلون إزاء ما يحدث من اعتداءات يهودية ضد إخواننا فى فلسطين؟ قال: أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيس حكومة فلسطين. ما يعنى أنه باع القضية، لا جهلا كما يظن البعض، بل تنازلا وعمالة؛ فالذى لا يعرف قدر فلسطين الدينى، والذى لا يدرك أهميتها كجارة حارسة لأمننا القومى، والذى لا يقدّر حقها فى الدفاع عنها كدولة عربية مسلمة لا يمكن أن يكون رئيس وزراء مصر، بل هو وكيل الصهاينة لكنه وُضع على رأس حكومة من حكومات المحروسة بالقاهرة..

ويأتى عام الفصل فى القضية (1948) فتهب الشعوب العربية الإسلامية هبتها التاريخية لإنقاذ إخوانهم فى فلسطين، وتحت الضغط الهائل لهذه الشعوب تحركت الجيوش العربية على استحياء وقد غشيها الضعف وسبقتها الهزيمة. لقد كان بإمكانها القضاء على تلك العصابة اليهودية بالتعاون مع المقاومة الشعبية العربية التى قادها الإخوان المسلمون آنذاك، إلا أنهم أعلنوا الفرار مبكرًا، فانسحبوا وولوا هاربين، ولم يدعوا المقاومة تستكمل دورها، بل تآمروا عليها، واتهموها باتهامات باطلة، وأُخذ المجاهدون من ميدان القتال إلى المعتقلات.. وتتالت بعد ذلك الهزائم حتى كانت هزيمة التاريخ فى عام 1967.

إذًا جيوشنا (الباسلة) هى التى أضاعت فلسطين، وهى اليوم تود تسليم الأجزاء الصغيرة التى تبقت منها لليهود، وحكامنا هم من يبادرون اليوم بالتنازل عن أرض الله، وهم من يقتلون المقاومين المانعين لخياناتهم، وقد سمعنا عن “التنسيق الأمنى” مع الصهاينة، وعن الإلحاح لتنفيذ عملية “نزع السلاح” ورأينا إجماع هؤلاء الأراذل على حصار أهلنا فى غزة، وكيف أنهم يضعون أيديهم فى يد المعادين لدين الله لخنق القطاع وتفريغه من أهله تقربًا إلى اليهود..

فهل تتم صفقتهم؟ لا، لن تتم؛ فإن الله قضى بأن تظل فلسطين إسلامية، وأن تظل راية الجهاد مرفوعة على ربوعها؛ ذلك أن بها الطائفة المنصورة القائمة على الحق، الذين لا يضرهم من خذلهم. وإذا كان الله قد ابتلانا بهؤلاء المساخيط، فقد هيأ لنا الخير بأن جعل صف المجاهدين خاليًا من خبثهم، يستوى لدى هؤلاء المجاهدين الموت والحياة؛ فإن كان موت فهو ابتغاء رضوان الله وطمعًا فى الشهادة فى سبيله، وإن كانت حياة فهى عيش العز والإباء؛ فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم