كانت زيارة السادات إلى الكنيست في نوفمبر 1977م، ثم اتفاقية كامب ديفيد سبتمبر 1978م، بمثابة التمهيد للتوقيع على اتفاقية السلام المزعوم بين مصر والصهاينة في الولايات المتحدة الأمريكية في مارس 1979م، والتي أفضت إلى نتائج وتحولات شديدة الخطورة جعلت من مصر والعالم العربي يرفعون راية الاستسلام أمام الغطرسة الصهيونية الأمريكية.

واعتمد الخطاب الذي بنى عليه الرئيس الراحل أنور السادات تصوراته على “3” أساطير أو فرضيات:

الأولى: أن السلام على الجبهة المصرية سيستتبع سلاما على الجبهة الأساسية: الجبهة الفلسطينية، وستتاح لأول مرة بعد عقدين على نكبة العرب الكبرى في فلسطين، فرص حل هذه القضية حلا عادلا وشاملا.

الثانية: أن سلام مصر مع إسرائيل؛ إذ يؤسس لسلام عربي إسرائيلي شامل، فإن حرب أكتوبر 1973 ستكون آخر الحروب العربية الإسرائيلية.

الثالثة: أن السلام سيأتي بالرفاه الاقتصادي ويفضي إلى بناء “مجتمع الوفرة” الذي يستحقه ملايين المصريين الذين دفعوا من دمهم ودموعهم وعرقهم التكاليف الباهظة للحروب العربية الإسرائيلية المتعاقبة.

لقد نجح السادات بقفزته الكبرى إلى الكنيست في تحطيم حاجز نفسي كبير، حيث أصبح الاتصال والتفاوض وتبادل الزيارات مع إسرائيل أمرا مألوفا في عالم السياسة والأعمال في المنطقة العربية، لكن هذه الصورة لا تكتمل من دون أن نأخذ بنظر الاعتبار أمرين اثنين:

الأول: أن العدوانية الإسرائيلية المنفلتة من عقالها، تتكفل بتشييد حواجز نفسية بديلة لكل حاجز نفسي يتخطاه حاكم عربي أكثر سمكا وارتفاعا، فالرأي العام العربي اليوم أكثر كرها لإسرائيل وأكثر عداء لها، وأقل ثقة بفرص السلام معها، وأشد إيمانا بإمكانية الانتصار عليها، وأكثر تعلقا بالقوى المقاومة للاحتلال.

الثاني: أن سلام مصر مع إسرائيل ظل رغم كل محاولات التسويق والترويج “سلام حكومة لحكومة” ولم يتحول إلى “سلام شعب لشعب”، إذ لم تنجح حركة التطبيع في إعادة تشكيل الرأي العام أو إعادة صياغة الضمير الجمعي المصري، ولم تخترق العلاقات الثنائية الأطر الفوقية والرسمية، لدرجة أنه لم يعد خافيا فيها على أحد أن السفارة الإسرائيلية في القاهرة -وكذا في عمان- تحولت إلى “معازل” يلوذ بها نفر من الدبلوماسيين المنبوذين.

اليوم، وبعد مرور أكثر من 40سنة على زيارة السادات التاريخية الأشهر للكنيست الإسرائيلي في نوفمبر 1977م، تبدو هذه الفرضيات والرهانات التي بنى عليها السيسي تصوراته تعكس السطحية الشديدة لفكر وتصورات السادات الذي كان بمقدوره أن يحصل على تنازلات كبيرة من الصهاينة دون أن يقدم هو تنازلات مؤلمة أفضت إلى خريطة عربية ممزقة وتفوقا صهيونيا لا ينازع. وقد أفضى ذلك إلى تراجع الموقف العربي على كافة الأصعدة والمستويات:

أولا: الخلاصة التي انتهت إليها “مغامرة” السلام المنفرد، تمثلت في سقوط كافة المحاولات التي بذلها الرئيس السادات لإقناع الإسرائيليين بقبول حل على المسار الفلسطيني يلتقي مع الحد الأدنى المقبول فلسطينيا، فإسرائيل لم تكن أبدا في وارد الانسحاب إلى خطوط 4 يونيو 1967 بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل لم تكن أبدا مستعدة للقبول بعودة اللاجئين إلى ديارهم عملا بقرارات الشرعية الدولية، وإسرائيل لم تكن أبدا في وارد القبول بتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة فوق ترابه الوطني. ولذلك راوحت كافة المحاولات التي بذلها المفاوض المصري حول صيغ وأشكال للحكم الذاتي المنقوص، للسكان دون الأرض، الأمر الذي لم يكن مشجعا أبدا لأي فريق فلسطيني للانضمام إلى رحلة السادات أو الالتحاق بها في محطات لاحقة.

وقد جاءت مسيرة مدريد-أوسلو-طابا-كامب ديفد الثانية-أنابوليس بعد رحلة كامب ديفد الأولى، لتظهر من جديد أن إسرائيل لم تنضج بعد للسلام على الجبهة الفلسطينية، وأن مرور الزمن يجعل فرص التوصل إلى حل تفاوضي للقضية الفلسطينية متعذرة تماما.

ثانيا: عادت سيناء منقوصة السيادة، فشروط إنهاء احتلال سيناء كانت قاسية للغاية وباهظة الكلفة والأثمان، ومن يقرأ “قيود المعاهدة وشروطها” يرى كيف كبّل الإسرائيلييون المصريين بأغلال ثقيلة، لم تفض إلى تآكل دور مصر الإقليمي فحسب، بل وتحول دون استئنافه مستقبلا، طالما ظلت قيود المعاهدة الثقيلة جاثمة على صدر الدبلوماسية المصرية، وهذا ما تشكو منه مصر اليوم، بل وما يشكو منه العالم العربي برمته الذي يواجه فراغا قياديا تسعى قوى إقليمية ودولية إلى ملئه.

ثالثا: فشل الركيزة الثانية التي نهض عليها “خطاب كامب ديفد وفلسفة الزيارة والمعاهدة”، تقول بأن سلام مصر مع إسرائيل يعني نهاية حروب العرب معها أو نهاية حروبها عليهم، فقد ثبت خلال العقود الماضية أن الحرب ممكنة من دون مصر، وأن “المعاهدة” التي أسست لسلام منفرد لم تدرأ حربا ولم تجلب سلاما شاملا، فبعيد زيارة السادات لإسرائيل بأقل من نصف سنة كانت الدبابات الإسرائيلية تجتاح جنوب لبنان في مارس 1978 (عملية الليطاني). وتكرر المشهد بصورة أكثر “درامية” بعد ذلك بأربع سنوات عندما اجتاحت لبنان وحاصرت بيروت قبل أن تحتلها وترتكب المجزرة الأبشع في صبرا وشاتيلا، وأخرجت الثورة الفلسطينية منها صيف العام 1982.

ومنذ المعاهدة و”نظرية آخر الحروب” وحتى يومنا هذا، شنت إسرائيل عدة حروب واسعة النطاق على الشعبين الفلسطيني واللبناني، وقارفت مئات “العدوانات” ضد أهداف فلسطينية ولبنانية وعربية، وفجّر الشعب الفلسطيني انتفاضتين كبريين ضد الاحتلال الإسرائيلي عامي 1987 و2000. وترتب على هذه الحروب والعدوانات سقوط أعداد من الضحايا تفوق ما سقط منها في الحروب السابقة للزيارة وكامب ديفد والمعاهدة، وارتكبت إسرائيل خلالها من المجازر بحق المدنيين العزل والأبرياء ما يجعل “المجازر المُؤَسِسَة للدولة العبرية” كدير ياسين وقبية وغيرها، تفاصيل صغيرة.

رابعا: أمام فشل مسار السلام المزعوم، سقطت أسطورة “آخر الحروب”، وتهاوت دعائم نظرية أن “لا حرب بدون مصر ولا سلام من دون سوريا”، ودخلت إلى معادلات القوة وحسابات الصراع العربي الإسرائيلي ظاهرة “المقاومة” وحروبها طويلة الأمد التي أرهقت الاحتلال ورفعت تكاليفه، فاضطر لابتداع نظريات “الانسحاب من جانب واحد” واختبارها في جنوب لبنان وقطاع غزة.

خامسا: بعد اتفاقية السلام، بدأت الوصاية الأمريكية على مصر والمؤسسة العسكرية تحديدا من خلال مساعدات مالية قدرها 1,3 مليار دولار سنويا كمساعدات عسكرية وحوالي 800 مليون دولار كمساعدات اقتصادية تراجعت إلى 200 مليونا فقط في الوقت الحالي، لكنها مكنت واشنطن من الهيمنة شبه المطلقة على الجيش المصري فلا يتم تصعيد أي قيادة إلا إذا كانت مؤمنة بهذا السلام الوهمي مع الصهاينة وفرضه على الشعوب قهرا وإجبارا، حتى باتت شرعية نظام الحكم في مصر مرهونة بمدى إيمانها ودفاعها عن اتفاقية السلام كما هي عليه والتي تضر بالمصالح المصرية العليا، ولعل هذا يفسر التحريض والترتيب الأمريكي السافر للانقلاب على الرئيس محمد مرسي الذي كانت له نظرة استقلالية تخالف ما توارثته النظم العسكرية من تبعية وانبطاح كامل للصهاينة والأمريكان

سادسا: أفضى إصرار السادات على السلام المزعوم، والمكاسب التي حققها الصهاينة والأمريكان إلى ربط شرعية النظم العربية بمدى تجاوبها مع هذا السلام المزعوم إلى سعي هذه النظم المستبدة في غالبها إلى ترضية الأمريكان بالتجاوب الإيجابي مع إقامة علاقات طبيعية على الأقل على مستوى النظم مع الكيان الصهيوني كما حدث في اتفاقية وادي عربة التي أقامتها الأردن مع الصهاينة عام 1996، وقبلها أوسلو عام 1993م، وحاليا يتولى النظامان السعودي والإماراتي إلى جانب النظام المصري قيادة المنطقة إلى الاستسلام التام والمطلق للصهاينة والأمريكان.

رابط دائم