في مثل هذه اليوم منذ “40” سنة، بدأت المفاوضات المصرية الإسرائيلية عام 1978م، برعاية الولايات المتحدة الأمريكية في معسكر كامب ديفيد بولاية ميريلاند القريب من عاصمة الولايات المتحدة واشنطن. من أجل التوصل لاتفاق سلام عربي إسرائيلي يبدأ بمصر أملا في أن يشمل باقي الدول العربية.

اجتمعت الوفود في مثل هذا اليوم في المعسكر الذي أقيم داخل الغابة، حيث ترأس الرئيس الأسبق محمد أنور السادات الوفد المصري، بينما رأس مناحم بيجن الوفد الإسرائيلي، وذلك برعاية أمريكية قادها الرئيس جيمي كارتر الذي كان ينتمي إلى الحزب الديمقراطي.

امتدت المفاوضات في كامب ديفيد 13 يوما، من 05 حتى 17 سبتمبر 1978م، والتي مهدت للتوقيع لمعاهدة السلام المزعوم عام 1979م. وقد أقام أعضاء الوفود خلالها في أكواخ متفرقة في الغابة، كانت اللقاءات بينهم في أغلبها غير رسمية وبحسب تعبير بطرس غالي أحد أعضاء الوفد المصري “كنا نشاهد بعضنا البعض بالبيجامات أو بملابس الرياضة أو على دراجات في طرقات الغابة”.

ومن اليوم الأول أخبر السادات كارتر أنه سيعرض في البداية مشروعا متشددا لإسكات عدد من أعضاء وفده المصري وأن لديه مشروعا معتدلا يعكس حقيقة موقفه، بالمقابل قدم بيجن موقفا متشددا للغاية منذ البداية حتى حول الانسحاب من سيناء ولم تسفر اللقاءات على مدى خمسة أيام عن أي تقدم.

 

في 10/9/1978 اصطحب كارتر السادات وبيغن في رحلة يوم الأحد، في اليوم التالي قدم كارتر للسادات مشروعا أميركيا تمت صياغته قبل ذلك بالتشاور مع بيجن. وفي 13/9/1978 ظهر الثلاثاء توقف كارتر على دراجته للتحدث إلى ثلاثة من أعضاء الوفد المصري كان أحدهم وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل قال كارتر :”مضى أسبوع على بدء التفاوض وأرجو أن نصل إلى اتفاق خلال الأيام القليلة المقبلة” رد كامل ” لست متفائلا، الموقف الإسرائيلي على جموده وتعنته والمشروع الأميركي الذي قدم لنا لا يمكننا قبوله”، قال كارتر “المشروع للنقاش ويمكن تأجيل المواضيع الحساسة مثل السيادة على الضفة الغربية وغزة والقدس إلى مرحلة لاحقة” ؛ رد كامل “سيادة الرئيس لا يمكن أن ينجح المؤتمر دون اتفاق ينص على انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي المحتلة عام 1967”.

مناورة السادات وتهديد كارتر

ومع استمرار تشدد بيجن قرر السادات صباح الجمعة 15 من سبتمبر الانسحاب من المفاوضات حسب خطة كان وضعها ظنا منه أنه سيضغط بذلك على كارتر للقبول بشروطه، لكن كارتر أخبر السادات أن انسحابه سيعني نهاية العلاقة بين مصر وأميركا ونهاية الصداقة الشخصية بينهما فقرر السادات البقاء.

استمتع الاثنان معا بمشاهدة مباراة محمد علي كلاي مساء نفس اليوم، وفي مذكراته كتب بطرس غالي الذي أيد مبادرة السادات إلى النهاية “حظيت عبارة علشان خاطر كارتر بشعبية وسط المندوبين المصريين فكل طلب نراه ضد المصالح العربية صار يوصف بأنه علشان خاطر كارتر”.

وأرسل كارتر يوم الجمعة قبل انتهاء المفاوضات بيومين، رسالة للسادات وبيجن أنه قرر إنهاء مؤتمر كامب ديفد الأحد 17 من سبتمبر، وطلب منهما إرسال الملاحظات النهائية على المشروع الأميركي الذي سيكون نص اتفاقية كامب ديفد. شرح وزير الخارجية المصري محمد إبراهيم كامل للسادات مخاطر التوقيع على الاتفاقية لأنها تتعارض مع ما تم الاتفاق عليه في مصر برفض أي حل منفرد مع إسرائيل، فأجاب السادات أن كارتر وعده بدعم موقف مصر كما أنه لا يرضى أن يشمت به أعداء مبادرته، فقدم محمد إبراهيم كامل استقالته في كامب ديفد فكان بذلك ثالث وزير مصري يستقيل احتجاجا على توجه السادات.

وكتب كامل في مذكراته “وقّع السادات في النهاية على ما لم يكن يراود الإسرائيليين في أكثر أحلامهم تفاؤلا”. مساء الـ 17 من سبتمبر عام 1978 بدأت مراسيم توقيع اتفاقية كامب ديفد داخل البيت الأبيض.

أنور السادات: جئنا إلى كامب ديفد بكثير من الإرادة الطيبة والإيمان وغادرنا كامب ديفد قبل دقائق بإحساس متجدد من الأمل والإلهام. وقال مناحيم بيغن: يجب أن يعاد تسمية مؤتمر كامب ديفد ليصبح مؤتمر جيمي كارتر فبحسب خبرتي التاريخية أعتقد أنه قد عمل بجد فاق ما بدأه أجدادنا في مصر عندما بنوا الأهرام.

وثيقتان واحتجاجات

تضمنت الاتفاقية وثيقتين ليس بينهما رابط قانوني أو زمني، الوثيقة الأولى وضعت إطارا عاما غير محدد للسلام في الشرق الأوسط تضمن إجراء مفاوضات خاصة بالفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة حول الحكم الذاتي، ووضعت الوثيقة الثانية إطارا عاما لانسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من سيناء على أن يسبق ذلك إجراء مفاوضات للوصول إلى معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل.

في اليوم التالي تلقى كارتر تهنئة من هنري كسنجر “علي الاعتراف بأن ما قمت به يفوق ما كان يمكنني القيام به” واحتفل الكونغرس الأميركي بهذا الإنجاز.

تصاعدت الاحتجاجات في الوطن العربي على انفراد مصر باتفاقية صلح تعترف فيها بشرعية دولة قامت على اغتصاب فلسطين، كان ثمن سيناء زيادة تعنت إسرائيل تجاه الانسحاب من باقي الأراضي العربية المحتلة. في 7/11/1978أدان مؤتمر القمة في بغداد الاتفاقية وهدد بقطع العلاقات مع القاهرة ونقل مقر الجامعة العربية إلى تونس، وأكد البيان أن موقف النظام المصري لا يعكس أصالة الشعب المصري المناضل.

وفي فبراير 1979 أدى انتصار الثورة الإيرانية ولجوء شاه إيران إلى مصر إلى تحرك الولايات المتحدة لتسريع المفاوضات بين مصر وإسرائيل لتعويض فقدان طهران كقاعدة هامة لأميركا في الشرق الأوسط، فتوجه كارتر إلى مصر وحصل على تأكيد السادات بأنه سيوقع على أي حل يرتضيه كارتر.

وكتب أحد أعضاء الوفد الأميركي في مفاوضات السلام وليم كوانت “بعد اتفاقية كامب ديفد كان على كارتر من جديد أن يواجه الاختيار بين الضغط على بيجن أو السادات لتقديم التنازلات وكان يلجأ دائما للسادات وكان لذلك تأثير كبير على النتيجة النهائية (للمفاوضات). وفي 10/3/1979 ومن مصر توجه كارتر إلى إسرائيل ليواجه بمزيد من مطالب بيجن حول الأمن والتطبيع وضمان الحصول على النفط من مصر بسعر تفضيلي. 13/3/1979 عاد كارتر إلى مطار القاهرة وحصل على موافقة السادات على جميع المطالب الإسرائيلية.

إثر ذلك قال جيمي كارتر: أخبرت رئيس الوزراء بيجن الآن هاتفيا بموافقة الرئيس السادات إنني مقتنع أننا قد حددنا جميع المكونات الأساسية لمعاهدة سلام بين مصر وإسرائيل.. وتقرر توقيع معاهدة السلام في واشنطن في 26 من مارس 1979م.

شهادة تفوق لإسرائيل

وليام كوانت الذي كان عضوا في الوفد الأمريكي والعضو الأسبق بهيئة موظفى مجلس الأمن القومى الأمريكى، لعدة سنوات إبان عقد السبعينات، والذي شغل أيضا منصب كبير الباحثين بمؤسسة بروكينجز بواشنطن وهى إحدى المؤسسات البحثية الأمريكية ذات الاهتمام الكثيف بقضايا الشرق الأوسط خلال سنوات ماضية، يقول “إن النتائج المترتبة على اتفاقية كامب ديفيد تشمل مأساة ذات أبعاد لا توصف”.

مضيفا أن نتيجة تلك الاتفاقية كانت متوقعة فكان من الطبيعى أن نجد استمرارا للصراع العربى الإسرائيلي حتى يومنا هذا فى ظل بنود معاهدة “مُقيدة” لمصر تجاهلت محنة الفلسطينيين وحصلت فيها إسرائيل على المزيد من الامتيازات والمساعدات الأمريكية وصلت إلى 3 مليارات دولار.

ويرى كوانت أن “كامب ديفيد” بمثابة شهادة تفوق لإسرائيل فى المنطقة جعلت مصر تقف مقيدة أمام الحروب التى تشنها الأولى فى البلاد العربية العراق، لبنان ، وتونس وعلى رأسهم فلسطين، متوقعا في كتابه عن كامب ديفيد أن تحصل إسرائيل على مزيد من الامتيازات مع مرور الوقت، خاصة أن موقف مصر منذ عهد الرئيس الراحل أنور السادات كان ضعيفا.

رابط دائم