المياه لبنة أساسية للحياة. وهي أكثر من مجرد ضرورة لإرواء العطش أو حماية الصحة؛ المياه أمر حيوي؛ فهي تخلق فرص عمل وتدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والإنسانية، وفي يوم 22 من شهر مارس في كل عام، تحتفل الأمم المتحدة باليوم العالمي للمياه، وتحث فيه على عدم تلويث مصدر الحياة، والحفاظ عليها، وعدم الإسراف فيها، والتذكير بالشعوب التي تموت عطشًا من أجل قطرة المياه.

إلا أن سدًّا جديدًا يجري بناؤه حاليًّا على نهر النيل قد يؤدي إلى اندلاع حرب على المياه، ما لم تتوصل إثيوبيا إلى اتفاق بشأنه مع مصر والسودان، في الوقت الذي يؤكد خبراء العالم أن الحرب العالمية القادمة ستكون على المياه، وهناك مناطق قليلة في العالم تشهد توترًا، بنفس الدرجة التي تشهدها منطقة حوض نهر النيل.

وتشهد العلاقة بين مصر وإثيوبيا خلافًا كبيرًا حول سد النهضة، والسودان في وسط المشكلة، ويجري حاليًّا تنفيذ تحول جيوسياسي كبير، بمحاذاة أطول نهر في العالم، في الوقت الذي ساعد فيه نظام الانقلاب العسكري بقيادة عبدالفتاح السيسي في تسهيل مهمة إثيوبيا لبناء سد النهضة بالتوقيع على اتفاقية المبادئ السرية التي شرعنت حق أثيوبيا في بناء السد.

وبدأ الحديث حول بناء سد على النيل الأزرق منذ سنوات عديدة، لكن حينما بدأت إثيوبيا بناء السد، كانت ثورات الربيع العربي قد انطلقت، وكانت مصر حينها منشغلة بأمورها الداخلية، ليأتي بعد ذلك السيسي ويسهّل المهمة بشكل أكثر بالنسبة لإثيوبيا.

رغم أنه وعبر آلاف السنين، وفي العصر الحديث بدعم من الاحتلال البريطاني، مارست مصر نفوذًا سياسيا على نهر النيل، لكن طموح إثيوبيا غير كل ذلك، بعدما بدأ فعليًا في بناء السد، وغيرت في معايير القوة من حيث السيطرة على النيل وروافده.

أكبر محطة كهرباء

وعلى الرغم من التحديات السياسية التي تواجهها، والمستوى المحدود من الحريات، فإن إثيوبيا تبني مناطق صناعية، وتسعى للانتقال إلى مصاف الدول متوسطة الدخل، ومن ثم فهي بحاجة إلى الكهرباء.

وستتمكن أكبر محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية في إفريقيا، وواحد من أكبر السدود في العالم من تحقيق ذلك، ولكن لأن 85% من مياه النيل تأتي من إثيوبيا، فإن مصر تخشى من أن تتحكم إثيوبيا في تدفق مياه النهر.

ويقع سد النهضة الإثيوبي الكبير على بعد كيلومترات قليلة من الحدود، وجرى تركيب أبراج الضغط العالي بالفعل، انتظارًا لبدء توليد الطاقة الرخيصة والمتجددة، وسريانها عبر الأسلاك، في الوقت الذي تتوقع الأمم المتحدة أن يعاني أهل مصر نقصًا في المياه بحلول عام 2025.

وتقول الأمم المتحدة: “النيل هو حبل النجاة بالنسبة لمصر، لذلك لن أقول إنهم مذعورون، لكنهم قلقون للغاية، تجاه أي شيئ يفعله الآخرون يتعلق بالمياه”.

أمن قومي

ويقول محمد عبدالعاطي، وزير الموارد المائية والري في نظام الانقلاب: “نحن مسئولون عن بلد يبلغ عدد سكانه 100 مليون شخص. إذا نقصت المياه التي تأتي لمصر بنسبة 2 في المئة، فإننا سنفقد نحو 200 ألف فدان من الأرض الزراعية”.

ويضيف: “الفدان الواحد تقتات منه أسرة واحدة على الأقل، ومتوسط حجم الأسرة في مصر هو خمسة أفراد. لذلك فإن هذا سيؤدي إلى فقدان نحو مليون شخص لوظائفهم”. وتابع: “إنها مسألة أمن قومي”.

لكن المفاوضات بين مصر وإثيوبيا لا تجري على ما يرام، ولم تصل المفاوضات بعد إلى مرحلة تقييم آثار السد، بل إنها متوقفة عند مرحلة الاتفاق على كيفية تقييم تلك الآثار.

وتقف مصر والسودان على طرفي نقيض، إزاء كمية المياه التي يستخدمها السودان، وحول معدل زيادة تلك الكمية عند اكتمال بناء السد.

إجراء عسكري

وقالت “هيئة الإذاعة البريطانية” في تقرير: إن مصر لا تملك فعل أي شيء تجاه السد، ما عدا اتخاذ إجراء عسكري، الأمر الذي سيكون خطيرا، وهذا هو السبب الذي يجعل من الدبلوماسية والتعاون هما السبيل الوحيد لحل هذه المسألة، لكن حينما يتعلق الأمر بقضايا مثل القومية والقوة النسبية وأهمية الدول، فإن ذلك قد يعكر صفو المياه.

سنوات عجاف

وحذر الخبير نادر نور الدين من السنوات العجاف، بتراجع منسوب بحيرة ناصر، وملء سد النهضة الإثيوبى، معتبرا أنها مؤشرات خطر تنتظرها مصر، وتأتى مواكبة لتغيرات مناخية فى الموسم الفيضانى، بحسب تقارير نشرتها الأمم المتحدة، ودولتا إثيوبيا والسودان.

وقال نور الدين، أستاذ الأراضى والمياه بكلية الزراعة بجامعة القاهرة، إن مصر ستواجه العام الجارى وفقًا لتقارير عالمية، أسوأ انخفاض لفيضان النيل، خاصة أن التسع سنوات الماضية كانت سنوات عجاف، وانخفض خلالها منسوب فيضان النيل بصورة كبيرة، والعام الجارى سيكون أسوأ من الأعوام الماضية، وفقًا لدلائل على أرض الواقع.

وأضاف أن الأمم المتحدة خصصت مليارًا و250 مليون دولار لمواجهة طلبات الإغاثة فى إثيوبيا بسبب الجفاف، وهناك ثلاثة سدود توقفت عن توليد الكهرباء فى دولة السودان، وهى سدا “روصيرس وسنار” على النيل الأزرق، وسد “نيروى” على النيل الموحد قرب الحدود المصرية، وذلك بسبب جفاف النيل، بالإضافة إلى سد “تاكيزى” على نهر عطبرة فى شمال إثيوبيا أحد روافد نهر النيل، وعدد من محطات توليد الكهرباء، وكل ذلك بسبب السنوات العجاف.

مصارحة الشعب

وتابع نور الدين، مخزون بحيرة ناصر تحمل نقص فيضان النيل منذ تسع سنوات، وهناك شك فى قدرته على تحمل عام صعب آخر أقوى من سابقيه، لافتًا إلى أن مؤشرات التغيرات المناخية تشير إلى نقص الأمطار الساقطة على منابع نهر النيل فى العام الجارى بنسبة 70 %، وأن هذا بدأ يتحقق بالفعل فى إثيوبيا والسودان.

وحذر أستاذ الأراضي والمياه بجامعة القاهرة، من بدء التخزين فى “سد النهضة” بعد تركيب توربينين لتوليد الكهرباء، وهو يتطلب حجز نحو 14 مليار متر مكعب من المياه القادمة من منابع النيل إلى دولتي المصب، مضيفًا أنه لا يحق لإثيوبيا إنسانيًا التخزين في سنوات العجاف، وهذا ما يزيد من معاناة مصر، بنقص الوارد من حصتها المائية، مع انخفاض منسوب فيضان النيل.

ودعا نور الدين الحكومة المصرية إلى مصارحة الشعب المصري بخطورة الأمر وإعلان الطوارئ وترشيد استخدامات المياه، ومخاطبة الأمم المتحدة لمساندة القاهرة لمواجهة جفاف نهر النيل، وتكوين ضغط عالمي لإرجاء التخزين حتى انتهاء الجفاف وورود أول فيضان غزير.

Facebook Comments