تلح أبواق العسكر باستمرار على اتهام المفكر الإسلامي الكبير الأديب الشهيد سيد قطب، بأنه أحد رواد فكر التكفير في المجتمعات المسلمة، مُحرفين بعض عباراته في كتبه كظلال القرآن ومعالم في الطريق وغيرها.

يستند هؤلاء إلى ما كتبه الشهيد في كتابه “معالم في الطريق”: «إن وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة، فالأمة المسلمة ليست أرضًا كان يعيش فيها الإسلام، وليست قوما كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي.. إنما “الأمة المسلمة” جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم، وأوضاعهم وأنظمتهم، وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي.. هذه الأمة- بهذه المواصفات- قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعا.. ولذلك فالمسألة في حقيقتها هي مسألة كفر وإيمان، مسألة شرك وتوحيد، مسألة جاهلية وإسلام، وهذا ما ينبغي أن يكون واضحا.. إن الناس ليسوا مسلمين- كما يدعون- وهم يحيون حياة الجاهلية.. ليس هذا إسلاما، وليس هؤلاء مسلمين، والدعوة اليوم إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهليّين إلى الإسلام، ولتجعل منهم مسلمين من جديد».

دفوع البراءة

يرد على هذه التهم المفكر الإسلامي الراحل الأستاذ محمد قطب، شقيق الشهيد سيد قطب، عليهما رحمة الله، يقول محمد قطب: «سيد لم يقل فى حياته «إن فلانا كافر». ويضيف «الذين يعرفون سيد قطب يجزمون بأنه كان شديد الصدق حتى فى أشد الموقف وأصعبها، وكذبة واحدة كانت قادرة على أن تنجيه من حبل المشنقة، ومع ذلك يقول فى أحد المحاضر إنه لم يكفر المجتمعات ولا الأفراد، وحينما سأله صلاح نصر عما إذا كان يرى أن وجود الأمة المسلمة قد انقطع منذ مدة طويلة ولا بد من إعادتها للوجود، قال: لا بد من تفسير مدلول كلمة الأمة المسلمة التى أعنيها، فالأمة المسلمة هى التى تحكم كل جانب من جوانب حياتها الفردية والعامة.. السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية بشريعة الله ومنهجه، وهى بهذا الوصف غير قائمة الآن فى مصر ولا فى أى مكان فى الأرض، وإن كان هذا لا يمنع من وجود الأفراد المسلمين، لأنه فيما يتعلق بالفرد.. الاحتكام إلى عقيدته وخلقه، وفيما يتعلق بالأمة الاحتكام إلى نظام حياتها كله».

وأوضح أننا «لم نكفر الناس، وهذا نقل مشوه، إنما نحن نقول إنهم صاروا من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة، وعدم تصور مدلولها الصحيح، والبعد عن الحياة الإسلامية، إلى حال المجتمعات الجاهلية، وأنه من أجل هذا لا تكون نقطة البدء فى الحركة هى قضية إقامة النظام الإسلامى، ولكن تكون إعادة زرع العقيدة، والتربية الأخلاقية الإسلامية، فالمسألة تتعلق بمنهج الحركة الإسلامية أكثر ما تتعلق بالحكم على الناس».

دليل آخر يسوقه المستشار فيصل مولوى، نائب رئيس المجلس الأوروبى للبحوث والإفتاء، يثبت عدم تكفير سيد قطب للمجتمعات الإسلامية فيقول: لم أقرأ نصًا واحدًا للشهيد يدعو لتكفير الناس، لكنّ كثيرا من النصوص التى قالها تثير إشكالا ويمكن أن يساء فهمها، والدليل على هذا تفسير قطب لآية (والذين آمنوا ولم يهاجروا، ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر) من سورة الأنفال. التى يقول فيها قطب: فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاء فى المجتمع المسلم، ومن ثم لا تكون بينهم وبينه ولاية، ولكن هناك رابطة العقيدة، ويشرح «مولوى» قائلاً: فقطب لم يحكم على هؤلاء المسلمين بالردة مع أنهم يعيشون خارج المجتمع المسلم، واحتفظ لهم بصحة العقيدة، وذلك هو الموقف الصحيح لأن الله تعالى وصفهم بالإيمان.

والدليل الثانى الذى يسوقه «مولوى» يأتى فى تفسيره لقوله تعالى فى سورة النساء: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا) يقول قطب: «يأمر الله المسلمين إذا خرجوا غزاة، ألا يبدءوا بقتال أحد أو قتله حتى يتبينوا، وأن يكتفوا بظاهر الإسلام فى كلمة اللسان، إذ لا دليل يناقض كلمة اللسان» فسيد يكتفى هنا بظاهر الإسلام فى كلمة اللسان، ويعتبر الإنسان بذلك مسلما معصوم الدم، ولو قلنا إن سيد قطب يعتبر المؤذن مرتدا بمعنى الكفر واستباحة الدم، لكان هذا متناقضًا مع ما ورد فى تفسير هذه الآية عند سيد قطب نفسه.

أديب لا فقيه

مشكلة أولئك الذين أوّلوا عبارات قطب، أنهم يتعاملون معها على أنها فتاوى وليست أدبا يستخدم فيه الأديب أساليب اللغة من أجل توصيل فكرته، فقول سيد قطب بأن المجتمعات فسدت وأنها عادت إلى الجاهلية وإنكاره للإسلام على الناس فهذا المعنى مجازى، أى صيغة مبالغة يعرفها من درس كتب سيد قطب، خاصة كتابه الأشهر «فى ظلال القرآن» الذى كتبه بأسلوب أدبى ولم ينس فيه أنه شاعر فى الأساس، ولا أعرف لماذا يحرم الناس على «قطب» هذا الأسلوب ولا يتسامحون معه ويعتبرونه صكا تكفيريا، فى حين أن الإمام محمد عبده له مقولة تكاد تتماثل مع مقولة قطب، ذلك حينما رجع عبده من باريس فقال: ذهبت إلى باريس فوجدت إسلاما بلا مسلمين، ورجعت إلى هنا فوجدت مسلمين بلا إسلام، وبالطبع لم يقصد الإمام تكفير الناس فى مصر أو إخراجهم من الملة، ولكنه أراد أن يصف بأسلوب مجازى حال المسلمين وابتعادهم عن أخلاقيات الإسلام التى وجدها فى المجتمعات الغربية، وإذا طبقنا نفس الطريقة على الإمام محمد عبده لتبين أنه أيضا إمام للتكفيريين لمن يريد أن يؤول كلامه على طريقته التى تحمل الكثير من سوء النية والجهل باللغة وعدم التفهم.

بل إن الرسول- صلى الله عليه وسلم- استخدم هذه الأساليب المجازية لتنبيه الغافلين  وإيقاظ النائمين، حيث روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن! قالوا وما ذاك يا رسول الله؟ قال: الجار لا يأمن جاره بوائقه. قالوا يا رسول الله وما بوائقه؟ قال شره». ماذا يقول القائلون في هذا الحديث؟ فقد نفى نبينا عليه الصلاة والسلام، الإيمان عمن لا يأمن جاره بوائقه!، وما نفى مرة واحدة وكفى، بل نفى ثلاث مرات متواليات! والنفي مصحوب باليمين، هو إذا تحذير عام بنفي الإيمان عن أولئك الأشرار الذين يزرعون الأشواك في طرق الآخرين ولا يتوقف أذاهم عن جيرانهم يوما، لكن ذلك التحذير لا يمكن أن ينسحب إلى الحكم على أحاد الأفراد؛ لأن ذلك يتطلب إجراء قضائيا وهو ما يتفق تماما مع كتاب “دعاة لا قضاة” الذي كتبه فضيلة المرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي والذي أقره الشهيد سيد قطب، ولم يُذكر عنه تعليق واحد يعارض فيه ما ورد في الكتاب الذي يعد الأبرز في مواجهة فكر التكفير في عالمنا العربي والإسلامي.

ويعزز ذلك، ما ذكره محمد قطب عن شقيقه الشهيد: «لقد سمعته بنفسى أكثر من مرة يقول «نحن دعاة لسنا قضاة» وإن مهمتنا ليست إصدار الأحكام على الناس ولكن مهمتنا تعريفهم بحقيقة لا إله إلا الله.. كما سمعته أكثر من مرة يقول إن الحكم على الناس يستلزم وجود قرينة قاطعة لا تقبل الشك، وهذا أمر ليس فى أيدينا، ولذلك فنحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس فضلا عن كوننا دعوة ولسنا دولة، دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم. وهذا يثبت أن سيد قطب لم يكن يوماً داعياً إلى تكفير الناس كما يدعى الإرهابيون والمتطرفون» كما أن ذلك يفند أكاذيب أبواق العسكر التي لا تتوقف يوما عن نشر الأكاذيب والافتراءات بحق الإخوان كجماعة وقيادتها ومفكريها الراحلين والباقين.

رابط دائم