أحمدي البنهاوي
هنأت الخارجية الأمريكية من خلال فريق عملها بموقعها "بالعربي"، قبل قليل، الشعب التونسي بمناسبة "ذكرى استقلال #تونس". التهنئة لم تقتصر على الأمريكان، بل امتدت لحلفائها الخليجيين والعرب، غير أن "الاستقلال" الذي تمتعت به تونس، بادرة الربيع العربي، بعد 75 عاما من الاحتلال الفرنسي.

أيديولوجيا الاستعمار

ويرى فريق غير قليل، ومنهم أحزاب وشخصيات اعتبارية تونسية، أن فرنسا تمكنت من الجمع ما بين الانسحاب الشكلي والإبقاء على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وذلك بالاعتماد على خدامها الأوفياء من المستعمرين (بفتح الميم) الذين ما زالوا يحملون راية الفرانكفونية عاليا، حتى بات اليسار التونسي هو ظل اليسار الفرنسي، وكذلك اليمين، بل ويخشى أن يكون في ظلهم الإسلاميون في المنافي الفرنسية في فترة حكم "ابن علي".

ويتبنى ذلك الرأي الأكاديمي التونسي د.إدريس الجنادري، الذي يرى أن كل هؤلاء يتشكلون في الأغلب من النخبة السياسية الحاكمة، وكذلك من النخبة الثقافية التي دافعت عن مصالح فرنسا في المنطقة بادعاء الدفاع عن قيم الحداثة، التي لا يمكنها أن تتجسد إلا عبر اللغة الفرنسية.

وأضاف- في مقال بعنوان "الفرانكفونية أيديولوجية استعمارية بغطاء ثقافي" أن "الهيمنة الاستعمارية الفرنسية، استمرت حتى حدود الستينيات من القرن العشرين (بخصوص المغرب العربي)، حيث انسحبت فرنسا على وقع مقاومة شرسة، سواء في المغرب أو في الجزائر أو في تونس، لكن هذا الانسحاب لم يكن تاما؛ لأنه كان من جنس الاستقلال المشوه والناقص الذي قبل به الانتهازيون خدمة لمصالحهم الخاصة وعلى حساب مصلحة أوطانهم".

استقلال صوري

وترى أحزاب تونسية أن استقلال تونس صوري، وكذب على الشعب وتزييف للحقائق، فتونس إلى اليوم تحكم عن بعد، بل عن قرب، بواسطة أشباه حكّام نصبهم المستعمر لخدمة مصالحه.

وأن مظاهر الهيمنة الاستعماريّة في كلّ الجوانب الفكريّة والتشريعيّة والسياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة والثقافيّة. وذلك باعتبار أنها "منطقة صراع دولي" بين القوى الاستعماريّة الكبرى أوروبا بزعامة بريطانيا من جهة، وأمريكا من جهة أخرى.

ومن أصحاب تلك الرؤى "حزب التحرير" في تونس، الذي طرح رؤاه في إطار الحوادث الإرهابية الأخيرة، ورآها "في سياق الصراع الدولي على بسط النفوذ في شمال إفريقيا، وهو صراع على أرض تونس جعل وقودها من شباب تونس. وهدفها تحطيم القوى في تونس كما في كامل البلاد الإسلاميّة حتّى تبقى رهينة للمستعمر.

ذكرى وتساؤل

وقبل عام، كتب الصحفي التونسي مختار الشيباني، على موقع "نون بوست"، مقالا بعنوان "في ذكرى الاستقلال... هل تونس فعلا مستقلة؟"، رأى فيه استمرار الاستعمار بأشكال متنوعة، وحلم الشعب التونسي التي قدم التضحيات بمئات الآلاف في الاستقلال الحقيقي.

ومن بين ما تطرق له محور "هيمنة اقتصادية بعقود ما قبل الاستقلال"، كشف عن أن "تونس ما زالت إلى اليوم ضحية الشركات الفرنسية الكبرى، تنهب خيرات البلد من ثروات طبيعية وباطنية بناء على اتفاقيات تم إمضاؤها يوم كانت فرنسا حاكمة فعلية في تونس، وتصل لاستباحة مستعمراتها وخيراتها باستعمال شركاتها الكبرى التي تحصل على ثروات البلد مقابل أسعار رمزية".

وأعاد ما ذكره د.الجنادري من الهيمنة الثقافية من خلال اللغة الفرنسية، التي لم تعد لغة للسوق، فيعاني المجتمع التونسي من البطالة بفضل اللغة التي يصفها بالـ"ميتة".

لكنه يشير إلى أن هؤلاء في مناصب "وزارية وأعضاء في البرلمان، حتى إن رئيس الحكومة السابق بعد الثورة مهدي جمعة كان متمتعًا بالجنسية الفرنسية، بالإضافة إلى رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر، الذي كان يحمل بدوره الجنسية الفرنسية، وبهذا سيكون من المستحيل على أي سياسي يحمل جنسية بلد آخر غير بلده الأم أن يعمل باستقلالية وحرية ودون ضغوط وإملاءات خارجية من الدولة التي تمنحه جنسيتها، باعتباره مواطنًا من مواطنيها وجب عليه حماية مصالحها".

ولكنه يشير إلى ملحوظة غاية في الأهمية، أن تونس ليس لديها "نسخة من اتفاقية استقلال تونس عن فرنسا"، وأن الوثيقتين الوحيدتين اللتين تثبتان استقلال تونس هما وثيقة الاستقلال الداخلي وبروتوكول الاستقلال، وأنهما غير منشورتين في الرائد الرسمي التونسي، وغير متوفرتين لدى مصالح رئاسة الحكومة!.

رابط دائم