تحل اليوم الذكرى التسعين لتأسيس جماعة الإخوان المسملين على يد الإمام الشهيد حسن البنا- عليه رحمة الله- يوم 22 مارس 1928م، ومنذ هذا التاريخ خاضت الجماعة جهادًا طويلًا ضد الاحتلال الأجنبي أولا، ثم ضد الاستبداد العسكري ثانيا، وامتدت إلى 80 دولة حول العالم.
وخلال العقود الماضية، تعرضت الجماعة منذ التأسيس لمحن ومواجهات مع كثير من الأنظمة المستبدة، وساهمت الجماعة خلال 90 عاما من تاريخها في تحقيق تغييرات هائلة في بنية المجتمعات الإسلامية واقترابها من مفاهيم الإسلام مع كثير من القوى والتيارات الشريفة.
وحول مصطلح الخلافة عند الإخوان، فإن هناك ندرة في الكتب والبحوث والدراسات التي تحدد بشكل واضح مفهوم جماعة الإخوان المسلمين لمصطلح “الخلافة الإسلامية”، الذي يعد واحدًا من أهداف الجماعة بعد الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والحكومة المسلمة ثم الدولة المسلمة ثم الخلافة وأستاذية العالم.
ولم يتعرض مصطلح للتشويه والتشهير بقدر ما يتعرض مفهوم الخلافة، حيث يرميه المشككون بسهام التشكيك والسخرية، خصوصًا مع الإخفاقات الأخيرة التي حاصرت الجماعة بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، وما تتعرض له الجماعة من تنكيل واضطهاد يفوق ما جرى في المحنة الأولى أيام الديكتاتور جمال عبد الناصر.
الخلافة عند الأستاذ عاكف
ذات يوم في عام 2009، أجريت حوارا مع فضيلة المرشد السابق الأستاذ محمد مهدي عاكف، نشرته بعض المواقع الإخوانية في المحافظات، كما تداولت بعضًا منه صحف ووسائل إعلام مختلفة داخل مصر وخارجها.
خلال الحوار، طرحت على الأستاذ عاكف- عليه رحمة الله- هذه الانتقادات وسهام التشكيك حول مفهوم الخلافة، فرد فضيلته بأن الخلافة هي مصطلح سياسي يستهدف بالأساس بناء كيان سياسي قوى جامع وشامل للمسلمين على مستوى العالم، وليس بالضرورة أن يكون على غرار ما كان عليه قديما في عهد الخلفاء بعد الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأكد أنه يمكن أن يتحقق في ظل اتحاد كبير يضم الدول الإسلامية على غرار “الاتحاد الأوروبي” مثلا، يحترم خصوصية الدولة الوطنية وفي ذات الوقت يفتح له تحالفا سياسيا واقتصاديا كبيرا يحقق ضمانة لحكوماتها وشعوبها.
إجابة فضيلة المرشد السابق، تكشف مدى المرونة التي يتعاطى معها الإخوان بهذا الشأن، فلا أحد يمكن أن يرفض وحدة عربية أو إسلامية على نحو الاتحاد الأوروبي الذي يحمي دوله ويقيل عثرات أعضائه، كما حدث مع اليونان وغيرها، ويحقق تكاملا وسوقا كبيرة تحقق ضمانة سياسة واقتصادية لشعوبه.
إذا، الخلافة في مفهوم الإخوان، تعني عودة اللحمة والوحدة إلى الأمة ليكون لها تأثير في عالم اليوم سياسيا واقتصاديا وعسكريا، بغض النظر عن الصورة التي تكون عليها هذه الوحدة.
أهداف الأمة وأهداف الجماعة
ورغم هذا الوضوح المبسط، فإن هناك خلطًا لدى الكثيرين حول الأهداف التي طرحتها الجماعة للأمة، وبين أهداف الجماعة الخاصة بها والتي تتحرك لتنفيذها.
الخلافة ووحدة الأمة وبناء كيان سياسي جامع لها لم يكن يوما من الأيام ولا ينبغي أن يكون هدفا تحققه جماعة وحدها أو تيار دون سواه، ولكنه هدف الأمة على الجميع أن يتصدى له.
فالجماعة عندما حددت هدف وحدة المسلمين وتكوين كيان جامع، إنما تحدد للأمة البوصلة التي ينبغي أن تتحرك باتجاهها لا أن تتصدى بمفردها لتحقيق هذا الهدف الكبير. فالجماعة تشارك الأمة ولا تنوب عنها في تحقيق أهدافها الكبرى.
الجماعة تضع خطتها وتحدد أهدافها في تعبيد الطريق أمام هذه الوحدة، فأول المعوقات الاستعمار والاستبداد؛ ولذا فهي تتحرك بكل قوة لمواجهة الاستعمار والاستبداد لتمهد الطريق أمام الأمة للوصول لهدفها.
والجماعة تأسست بهدف إعادة بناء الأمة التي تأثرت بالغزو العسكري وما تبعه من تفتت الامة وتشرذمها وما صحبه من جهود جبارة لمحو هوية الأمة ومسخها وإبعادها عن مصادرها الأساسية في القرآن والسنة.
ومبادئ القرآن والسنة تقوم على مبدأ التوحيد، وتقرر مبادئ إنسانية لا يمكن الخلاف بشأنها مثل الحرية والعدالة السياسية والاجتماعية وكرامة الإنسان والشورى التي تجعل من الشعب مشاركا في صنع القرار لا عبيدا عند الملك أو الرئيس يصفقون له ليل نهار، حتى لو كانت الدولة تنهار كل يوم.
فالتحديات الكبرى لإعادة بناء الأمة من جديد كانت تتمثل في:
– مقاومة الاستعمار بكل صوره سواء العسكري أو الفكري أو مسخ الهوية.
– مقاومة الاستبداد الذي ورث الاستعمار ليقوم بأغلب مهامه ويساهم في إضعاف الأمة وعرقلة تقدمها.
وما تعانيه الجماعة اليوم هو الثمن الذي يدفعه الأحرار في كل الشعوب المتطلعة نحو تحرير أوطانها من ظلام الاستبداد والديكتاتورية، ورغم فداحة الثمن ولكن التمسك بالقيم والأمل يهون في سبيل الله ثم الوطن.

رابط دائم