في فبراير 2016، أدلى الجنرال السيسي بتصريحات غريبة وشاذة في ذات الوقت، حيث قال إنه مستعد لبيع نفسه “لو ينفع اتباع لاتباع”، ما فسره مراقبون بأن الرجل على استعداد لبيع أي شيء، فمن يبيع نفسه يمكن أن يبيع كل ما حوله.

وكانت هذه التصريحات بداية لسلسلة من التنازلات والتفريط في تراب مصر الوطني، قبل أن يفرط في حقوق مصر المائية بالتوقيع على اتفاق المبادئ في الخرطوم مارس 2015م؛ وهو ما شرعن بناء سد النهضة الإثيوبي وأهدر حقوق مصر المائية.

لكن الجنرال السفيه بعد هذه التصريحات بشهرين فقط، أقدم على أكبر جريمة خيانة في تاريخ مصر الحديث بعد انقلابه المشئوم، الذي يمثل ذروة الخيانة من جنرالات العسكر بحق أول رئيس منتخب في تاريخ البلاد بنزاهة وشفافية؛ حيث تنازل الجنرال عن جزيرتي “تيران وصنافير” للسعودية بثمن بخس، رغم أحكام القضاء الإداري الباتة والقاطعة بمصرية الجزيرتين بناء على جميع المستندات والوثائق.

قانون الجنسية المشبوه

في السياق ذاته “بيع كل شيء”، أقدم مجلس نواب العسكر على تمرير مشروع قانون الجنسية المشبوه، والذي يتيح بيع الجنسية المصرية لكل من هب ودب، مقابل وديعة قدرها 7 ملايين جنيه “340 ألف دولار” لمدة 5 سنوات؛ بدعوى تشجيع الاستثمار.

ويسمح مشروع القانون للأجنبي بالإقامة في مصر لمدة خمس سنوات بعد وضع وديعة مالية، 7 ملايين جنيه في أحد البنوك، ونصت المادة (4 مكرر) على أنه يجوز منح الجنسية المصرية لكل أجنبي أقام في مصر «إقامة بوديعة» مدة خمس سنوات متتالية على الأقل.  وتحدثت المادة (20 مكرر) عن «الأجانب ذوي الإقامة بوديعة» بأنهم «الأجانب الذين يقومون بإيداع وديعة نقدية، وبقرار من وزير الداخلية بعد موافقة مجلس الوزراء.

ما الذي يترتب على بيع الجنسية؟

لا يوجد مستثمر يرغب في الحصول على الجنسية المصرية، ومن سيتسللون لاستغلال هذا القانون هم الصهاينة وأعداء مصر، بما يعطيهم الحق في الحديث كمصريين.

فهدف نظام الانقلاب هو الجباية، وأي شيء يأتي منه أموال يتم بيعه بعدما خرب الاقتصاد، وبات النظام يعتمد على الديون من جهة، وفرض مزيد من الضرائب والرسوم على الشعب من جهة أخرى.

بيع الجنسية يعنى تمصير كل أجنبي يملك ثمن شراء الجنسية، ويصبح له نفس حقوق المصري في البيع والشراء، ما يعطيه الحق في شراء ما يشاء من أراض وعقارات وشركات وبنوك، ويحق له أن يتولى الوظائف ويمثل الشعب في البرلمان.

كما أن بيع الجنسية هو من أسهل الطرق لبيع مؤسسات الدولة وممتلكات الأفراد في الأزمة المالية الراهنة، وزيادة ديونها وفوائدها، فهو بيع طوعي اختياري من مصريين أذلتهم الحاجة ومن دولة دمرها العوز لمصريين جدد (أجانب) لديهم القدرة والنفوذ والمال، لذلك فهو هو نوع من الاحتلال الاختياري، والتفريط بالتراضي وليس انتزاع بالقوة.

خطر على الأمن القومي

واستهجن سياسيون القرار، مشيرين إلى أن مصر دولة طاردة للسكان، وأن القانون يضع الأمن القومي المصري على المحك، ويفتح الدولة المصرية على مصراعيها أمام الجواسيس. في حين بيَّن اقتصاديون أن القانون ليس له آثار اقتصادية إيجابية على مصر، بل يدل على عُقم الحكومة في إيجاد منابع للعملة الصعبة (الدولار)، بحسب رأيهم.

يشير مساعد وزير الخارجية الأسبق معصوم مرزوق، إلى أن فلسفة هذا القانون غَيّرت مفهومه، لا سيما أن القوانين تصدر عن احتياج وضرورة مجتمعية. وأكد في تصريحات صحفية، أن مصر دولة طاردة للسكان، متسائلاً: “فما الهدف من وضع تسهيلات لاكتساب الجنسية المصرية في الوقت الذي يقفز فيه مئات المصريين بالبحر المتوسط في شبه حالات انتحارية للهرب من مصر؟”

ولفت مرزوق إلى أن “هناك كتابا شهيرا عن الموساد الإسرائيلي تحت عنوان “عن طريق الخداع”، يؤكد أن زراعة الجاسوس في دولة ما يُكلف إسرائيل بين أربعة ملايين دولار وخمسة ملايين”، موضحا أنه “بمبلغ 250 ألف دولار التي وضعها القانون ستجعل الموساد يرسل جواب شكر إلى البرلمان المصري لحسن تعاونه معه؛ لأنه سيتمكن من زرع عشرات الجواسيس بسعر جاسوس واحد”، بحسب تعبيره.

وتابع: “كما أن القانون مخاطرة كبيرة؛ لأنه من الممكن زرع أشخاص يحصلون على الجنسية المصرية، وبعد عشرات السنوات يصبحون رؤساء لمصر وهم في الأصل جواسيس”.

وذهب مساعد وزير الخارجية الأسبق للقول: “أما إذا كان تفكير البرلمان والحكومة في القانون اقتصاديا فهو بمثابة الهزل في موقع الجد؛ فبدلاً من التفكير في برامج اقتصادية ومشاريع تنموية حقيقية يُفكر البرلمان والحكومة في الجباية والقروض، والآن يخرجون بأفكار جديدة لا يُفهم جدواها”.

وأردف: “كان من الممكن أن تفكر الحكومة في حلول أخرى، كتوفير تكلفة حفلة أو مؤتمر من التي عُقدت مؤخرا، وصرفت عليها الحكومة ببذخ، وفرشت سجادا أحمر على الأرض، وهو ما يوفر الملايين سنويا”.

عقم اقتصادي

من جانبه، انتقد الخبير الاقتصادي، سرحان سليمان، مشروع القانون المشبوه، واعتبره انعكاسا لعقم النظم على وضع حلول جدية لمشاكل مصر الاقتصادية، وزيادة موارد البلاد من النقد الأجنبي.

وشدد سليمان على أنه “لا توجد دولة بالعالم تعالج مشكلاتها الاقتصادية بتلك الأدوات؛ الأمر الذي يدل على فشل الحكومة في اتباع سياسة اقتصادية ناجحة”.

وأردف: “فجوة الاحتياج للعملة الصعبة تزداد بمرور الزمن، ولا يمكن الحد منها إلا بزيادة الناتج القومي من خلال موارده الخمسة؛ وهي السياحة، والاستثمار الأجنبي، والصادرات، وقناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج”.

سليمان أكد أيضا أن الجنسية ممتلك سيادي للدولة، وأنها لا تُباع ولا تشترى، ولكنها قد تُمنح لأصحاب الميزات، متابعا: “ومنطقيا يجب أن يلقى القانون اعتراضا كبيرا من الشرفاء والوطنيين”.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تهكم الناشط السعودي خالد الرسيني على مشروع القانون، قائلا عبر تويتر، الذي أُغلق بعد ساعات من انتشار تدوينته: “لا أعلم من المختل الذي يدفع 500 ألف دولار ليحصل على جنسية تخول أصغر أمين شرطة لأن يرديه بطلقة في الرأس، من أجل كباية شاي بــ2 جنيه!». ووكتبت فاطمة فتحي على تويتر: “طبعا مش هنستغرب الفترة الجاية لما نلاقي #الإسرائيليين حاملين #الجنسية_المصرية”!.

رابط دائم