بعد انقلاب 30 يونيو 2013م، وشروع المؤسسة العسكرية في تنفيذ أبشع المذابح الوحشية في تاريخ مصر، توثق الصحافة والمواقع والفضائيات مواقف لا تُنسى كشفت عن جوهر  أصحابها، فمنهم من أثبت إيمانًا بقيم الحرية والعدالة، واحترام إرادة الشعب وحقوق الإنسان، ومنهم من سقط في الاختبار، وكشف عن عنصرية بغيضة وفاشية مفرطة وتحريض سافر على سفك دماء أكبر فصيل شعبي في مصر فاز بكل الانتخابات النزيهة بعد ثورة يناير.

من هذه الكتابات، مقال للكاتب الكبير فهمي هويدي في 03 أغسطس 2013، قبل مذبحة رابعة بعشرة أيام، يحذر فيه من موت السياسة في مصر على وقع جرائم العسكر بعد الانقلاب في مذابح الحرس والمنصة، كما يحذر الكاتب الكبير وائل قنديل، رئيس تحرير الشروق وقتها، في مقاله من “الليبرالية المتوحشة”، منتقدا مواقف الليبراليين التي حرضت العسكر على الانقلاب، ثم مارست تحريضًا سافرًا على فض الاعتصام بالقوة وسفك دماء الآلاف من المصريين.

هويدي و”موت السياسة”

في مقاله، استشرف الكاتب الكبير فهمي هويدي مبكرًا موت السياسة في مصر على وقع الانقلاب والمذابح، حيث تناول زيارة كاثرين آشتون، مسئولة السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى، وزيارتها للرئيس محمد مرسي، ثم زيارة وفد الاتحاد الإفريقي ومبعوثين للرئيس أوباما، يقول هويدي (فى الوقت الذى يبذل فيه الغربيون والأفارقة (وفدهم التقى الدكتور مرسى) هذا الجهد، فإننا نجد أن الموات يهيمن على الساحة السياسية المصرية. حيث لا نكاد نرى أى جهد يبذل من جانب القوى السياسية المختلفة لمعالجة الأزمة، كما أننا نلاحظ أن الأطراف الواقفة على رصيف السياسة تزايد فى الحديث عن الاقتلاع والإقصاء، وتعتبر الكلام عن المصالحة منكرا، والإشارة إلى التوافق الوطنى انتكاسة وعودة إلى الوراء).

ويضيف هويدي (تبقى بعد ذلك نقطتان هما: أن هناك أمرا واقعا بعد 30 يونيو لا يستطيع أحد أن يتجاهله، لكن أيضا هناك أزمة سياسية فى مصر لا ينبغى إنكارها. ونحن ندفن رءوسنا فى الرمال إذا أصررنا على تلك الأفكار، ولجأنا إلى مصادرة الأخبار وحجب الصور وقمع الرأى الآخر، أو منع بعض القنوات التلفزيونية أو التشويش على محطة الجزيرة مباشر. ومن ثم أوهمنا أنفسنا بأنه لا توجد أزمة سياسية فى مصر. (أحد كتاب الأعمدة تساءل يوم الخميس الماضى قائلا: من قال إن فى مصر انسدادا أصلا؟).

ويضيف الكاتب الكبير (النقطة الثانية أن الأزمة الراهنة لا حل لها من الناحية الأمنية. ولا بديل عن الحل السياسى. إذ بوسع الأجهزة الأمنية أن تستمر فى استعراض عضلاتها بالتوسع فى الاعتقالات وتلفيق التهم. وافتعال الصدامات وبلاغات التعذيب، وقد تلجأ إلى السلاح والقنص. الذى راح ضحيته حتى الآن نحو 300 قتيل وأكثر من ثلاثة آلاف جريح، لكن ذلك كله لن يحل الإشكال وإنما سيزيده تعقيدا. لأن هذه الإجراءات تولد ثأرات ومرارات وتريق دماء تؤجج المشاعر وتجعل الناس يزدادون إصرارا وعنادا، خصوصا إذا أدركوا أنهم ضحايا الظلم والافتراء). ويختم الكاتب مقاله محذرا من مستقبل غامض بعد سيطرة العسكر وتنفيذ المذابح الدموية: (إذا سألتنى ما العمل؟ فردى أستعين فيه بالمثل القائل بأن من استحضر العفريت عليه أن يصرفه لا أن يقتله، لأنه سيفاجأ بظهور ألف عفريت آخر بدلا منه).

الليبرالية المتوحشة

أما الكاتب الكبير وائل قنديل، فكتب في 02 أغسطس مقالا بعنوان (الليبرالية المتوحشة)، انتقد فيه السلوك الانتهازي الرخيص للقوى الليبرالية وتحريضها على الانقلاب وسفك الدماء. يقول قنديل: (لقد تجاوزت بعض النخب مرحلة «العسكرة» التقليدية وتمردت على حدود دور «أحمد سبع الليل» لتطل فى ثياب رادوفان كاراديتش زعيم الصرب صاحب أكبر سلسلة من مجازر الإبادة الجماعية فى القرن الماضى.. ويحيرك فى الأمر أنه قبل أن يكون داعية قتل وإبادة كان أديبا وطبيبا متخرجا فى جامعة كولومبيا!). في إشارة إلى الدكتور علاء الأسواني الذي حرض على الانقلاب وسفك الدماء.

ويضيف الكاتب الكبير (إننا نعيش نوعا من الليبرالية المتوحشة لا يستشعر أصحابها وخزا لضمائرهم وهم يوفرون الغطاء السياسى والأخلاقى لقرار حكومة الانقلاب بمحو اعتصامى رابعة العدوية ونهضة مصر من الوجود، بل يذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك حين يتهم الأجهزة الأمنية بالتراخى لأنها تصمت على هؤلاء الأوغاد المعتصمين بأطفالهم وبناتهم ومسابحهم وتهجداتهم ودعائهم على القتلة وعلى من صفق وابتهج للقتل من مصاصى الدماء المختبئين خلف تهويماتهم الفكرية الفاسدة).

وينتقد قنديل مواقف عواجيز الليبرالية مثل قول أحدهم: «لا مانع من التضحية بمجموعة كى ينعم المجموع بطيب العيش» أو أن يثغو آخر بأنه لا بأس من إراقة الدماء ثمنا لتطهير مصر من أعدائها المصريين ورفع رايات علمانيتها. ومنهم من يعتبر مصريين سلميين معتصمين دفاعا عن قيم ديمقراطية، طالما أثرى الليبراليون الدمويون من الطنين بها، يعتبرهم أقل منه درجات فى المواطنة والإنسانية. ومن عجب أن من هؤلاء الليبراليين السمان من أعلن وفاة الإنسانية حين أقدمت آلة مبارك الأمنية على سحق اعتصام لاجئى جنوب السودان فى ميدان مصطفى محمود عام 2005، لكنه الآن ومع أبناء وطنه الذين كانوا معه فى ثورة أسقطت مبارك، لا يمانع فى إبادة وسحق اعتصام النبلاء فى ميادين مصر الآن).

ويختم قنديل مقاله بالشكر لشهداء الاعتصام (إننا مدينون بالشكر لشهداء الاعتصامات الرافضة للانقلاب مرتين: مرة لأنهم قدموا النموذج لبذل النفس والدم دفاعا عن المبدأ والفكرة، والأخرى لأنهم أسقطوا قشرة التحضر والليبرالية الزائفة عن جلود موشومة بالوحشية).

رابط دائم