لم يكن مفاجئًا ما أعلنه وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، عن موقف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، خلال حوار دار بينهما حول أهمية مسلسل “قيامة أرطُغرل” التاريخي التركي، ودوره في شرح الإسلام، وتأكيد أن مادورو وقف وهو يصرخ متحمسًا، وقال “هذا المسلسل يعلّم الإسلام الحقيقي وقد أكون مسلمًا يومًا ما بفضل هذا المسلسل”، ما جعل أوغلو يعقّب بسعادة بالغة “عندما نسمع مثل هذه الأمر نشعر بالاعتزاز والسعادة”.

وحققت المسلسلات التركية نجاحًا ملحوظًا خلال السنوات العشر الأخيرة، على شاشات 142 دولة، بحجم تصدير بلغ قرابة 350 مليون دولار، وتدور أحداث مسلسل “قيامة أرطغرل”، في القرن الـ13 الميلادي، ويعرض سيرة حياة البطل أرطغرل بن سليمان شاه، زعيم قبيلة قايي، وهو من أتراك الأوغوز المسلمين التركمان، ووالد عثمان الأول، مؤسس الدولة العثمانية (656هـ ـ 1258م/ 726هـ ـ 1326م).

وحقيقةً فإن المسلسل لم يخرج ليتحدث عن سيرة القائد المسلم العظيم أرطغرل لمجرد التسلية، أو لمجرد مدح الأتراك، وإن كان كذلك فهناك من الشخصيات التركية التي يوجد في سيرتها ما هو أكثر وأكبر من سيرتي أرطغرل وعبد الحميد، لكن الحديث عن هاتين الشخصيتين كان لتشابه واقعهما بالواقع الذي تعيشه تركيا والعرب، وإن شئت فقل إن واقعهما متطابق مع واقع الأمة الإسلامية تمامًا.

أرطغرل في القدس!

وفي وقت سابق، أثارت تغريدة نشرها ناشط صهيوني مؤخرًا فكرة أن مسلسل “قيامة أرطغرل” قد يكون متابعًا حتى في الكيان الصهيوني، وذلك بعد أن نال شهرة واسعة فاقت حدود تركيا بكثير، فقد تم بثه عبر 100 قناة تلفزيونية وتمت ترجمته إلى عشر لغات عالمية على الأقل.

وغرّد “إيدي كوهين”، الإعلامي والباحث في مركز بيجين سادات، منتقدًا قمة منظمة التعاون الإسلامي التي عقدت في وقت سابق في إسطنبول، بناء على دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لبحث رد دولي مشترك على المجزرة الصهيونية بحق المدنيين في قطاع غزة، وعلى قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

وقال كوهين في تغريدته: “قمة إسطنبول الإسلامية.. يحاولون أن يصبحوا أرطغرل بن سليمان شاه (علم تركيا)، لكن أكاد أجزم أن كلهم كوبيك!”، وفي تعليق على تغريدة كوهين، قال الإعلامي التركي حمزة تكين: “بكل الأحوال واضح جدا أنه حتى “الإسرائيليين” يتابعون مسلسل “قيامة أرطغرل”.. ولكن إن شاء الله تكون رسالة المسلسل قد وصلت لهم”.

انشقاق كبير

الفترة الزمنية لأرطغرل كانت الأمة الإسلامية تعاني من انشقاق كبير وتشتت وتشرذم وقتال داخلي، وفترة السلطان عبد الحميد كانت تعاني من تغلغل الغرب وحياكة المؤامرات، وإذا ما جمعت الفترتين فإنك ستتحدث حتمًا عن واقع الأمة اليوم من انشقاق وتشرذم وفتن وتغلغل للغرب ومؤامرات!.

أرادت تركيا أن تضع مسئولية ثقيلة على كاهل الأتراك وكل من يشاهدهم من العرب والمسلمين، فهي رسمت لهم واقعًا مؤلمًا كان موجودًا وأظهرت كيف يمكن لشخص مع بضعة محاربين أن يؤسسوا دولة العدالة، وأن يحطموا المؤامرات على بلدانهم، ولعلَّ العبارات التي اختارها المُخرج في حوارات المسلسل تثبت صحة ذلك بما لا يدع مجالًا للشك.

ومن شاهد مسلسل قيامة أرطغرل ودقق فيه جيدًا استنبط ذلك، مثلًا من خلال مجيء ابن العربي الأندلسي في المنام لأرطغرل في إحدى الحلقات، وقال له: “حتى متى ستنام يا أرطغرل، إنَّ هذه الأمة تنتظرك هيا قُم لوظيفتك!”، وما وظيفته إلا أن ينصر المظلومين ويضرب عنق الظالمين!.

فليغادر الآن

كذلك عندما سئل أرطغرل عن حال الأمة فقال: “إن وضع الأمة يرثى لها، فالأخ يقتل أخاه، والكفار يحيكون المؤامرات”، فقيل له وما الحل، فقال: “أن نجمع كلمة الأمة وأن نقول للظالم توقف، ونحن لن نتوقف عن جهادنا حتى نزرع راية العدالة في الأناضول”.

وذكرت صحيفة تركية أنه وفقا لتطور الأحداث، فإن مسلسل قيامة أرطغرل سيستمر إلى وفاة أرطغرل، ومعه سينتهي دور الممثل التركي أنجين ألتان دوزياطان (39 عاما)، والذي يمثل دور الغازي أرطغرل، دون أن يكون له دور في مسلسل قيامة عثمان.

وقال منتج ومؤلف مسلسل قيامة أرطغرل، محمد بوزداغ، إن الممثل إنجين ألتان سيكون خارج الجزء السادس الذي سيحمل اسم قيامة عثمان، وذلك بعد حالة من المرور الزمني بين الحلقتين المتبقيتين من المسلسل، حيث سينتهي الجزء السادس بوفاة أرطغرل.

القائمون على المسلسلين لم يصنعوهما عبثًا، ولا لأجل أن يتفلسف المتفلسفون ويناقشوه من الناحية التاريخية ويحاسبوه على الكلمة، هم أرادوه فنًا بديلًا عن فن التشويه، ليزرعوا في هذا الجيل نَفَس التحدي والصبر والعزم والتوكل على الله، ونصرة الحق والمظلومين في كل مكان.

وقد حوربت مثل هذه الأعمال المباركة في إعلام جنرال إسرائيل السفيه السيسي، إلا أن ذلك لم يعرقل تصاعد المشاهدة للمسلسل ونشر أهدافه النبيلة، وربما أن المسلمين على مشارف ما قاله السلطان عبد الحميد في مسلسله: “أريد أمة واحدة، دولة واحدة من جبل طارق إلى جزيرة جاوة، أمة قد آمنت، سماء واحدة ناصعة يعلو فيها صوت واحد هو صوت الأذان، جيشًا واحدًا جيش الرحمة في السلام، وجيش الرهبة في الحرب.. هذه خريطتي وهذا حلمي ومن سيتعب فليغادر الآن”.

رابط دائم