للأسبوع الثاني على التوالي يواصل الدولار ارتفاعه في البنوك والأسواق، وبعد أن كان في حدود 17.60 جنيه للشراء و17.65 للبيع، قفز بصورة متتالية ليصل إلى 17.87 للشراء ويقترب من 18 جنيها للبيع حاليا. ويتوقع خبراء ومراقبون استمرار رحلة الدولار في الصعود بناء على مؤشرات عديدة بعد ثبات أسعاره لشهور عديدة منذ أغسطس الماضي 2017م.

ووفقًا لآراء خبراء ومحللين، فإن استمرار ارتفاع الدولار قبل يوليو الأسود من المتوقع أن يشهد موجات من الغلاء الفاحش تطول جميع أنواع السلع والخدمات، بدءًا من الوقود والكهرباء والمياه وصولا إلى السلع الغذائية والأساسية، ويحذر خبراء من تأثيراته الكارثية على المواطنين في عدم قدرتهم على تحمل ارتفاعات جديدة بعد أن تآكلت رواتبهم وأجورهم بمعدلات كارثية وغير مسبوقة.

أسباب ارتفاع الدولار

ويعزو خبراء ومحللون أسباب ارتفاع الدولار إلى عدة أسباب، منها موسم عمرة رمضان وشراء الياميش برغم أن طلبات شراء الياميش ضعيفة، كما أنها بدأت قبل 6 أشهر من رمضان وليس الآن، والعمرة مستمرة في شهور سابقة، وأرقامها ثابتة ولم يحدث تغيير في الأعداد.

لكن الأسباب الحقيقية وراء هذا الصعود هي هروب الأموال الساخنة من مصر بعد خفض سعر الفائدة، حيث خرج حوالي 2 مليار دولار من الأموال الساخنة من مصر خلال شهر أبريل فقط، وفق الأرقام الرسمية، بعدما رفعت الأرجنتين سعر الفائدة إلى 40%، لمواجهة أزمتها الاقتصادية وهروب الأموال منها، وخفضته بنوك مصر إلى 17%، فهربت الأموال الساخنة من مصر إلى الأرجنتين، وهو ما يفسر الزيادة الأخيرة في سعر الدولار، حيث أدى خروج هذه الأموال إلى زيادة الطلب على العملة الأمريكية، وبالتالي ارتفاع سعرها، بحسب الخبير مصطفى عبد السلام.

ومن الأسباب الأخرى التي دفعت الدولار إلى الصعود في الأسواق المصرية، خوف المستثمرين الأجانب من الاستثمار في مصر باستثناء قطاع النفط الذي يأتي بعائد كبير، بسبب عدم ضمان الاستقرار وارتفاع حجم الديون المصرية المستمر، والخشية من عدم القدرة على السداد وتدهور الاقتصاد. وتشير غالبية التوقعات إلى ارتفاع الدولار بشكل مستمر لعدم وجود مشاريع إنتاجية تجلب عائدًا كبيرًا، والاعتماد على القروض التي تستنزف فوائد قروض تعادل حجم الإنتاج.

وبحسب خبراء، فإن المشكلة الكبرى هي قيام السلطة بتوجيه الاستثمارات لمشروعات غير إنتاجية تبتلع السيولة المالية دون تحقيق إنجاز حقيقي ودائم للاقتصاد، باستثناء بعض الحركة المؤقتة التي تنعكس وقتا ولفترات قصيرة على معدلات ومؤشرات الاقتصاد.

موجة تضخم جديدة

ويؤكد خبراء أن استمرار ارتفاع سعر الدولار سوف ينعكس سلبا على أسعار السلع قبل يوليو الأسود، ما يعني أن الزيادات المرتقبة في يوليو سوف تأتي في ظل زيادات ناتجة عن استمرار ارتفاع الدولار، في ظل استعدادات المصريين لعيد الأضحى ثم موسم بدء المدارس.

من جانبها، توقعت شبكة بلومبرج الاقتصادية الأمريكية أن ترتفع معدلات التضخم في مصر إلى مستوى أعلى، عقب خفض دعم الوقود والطاقة في يوليو المقبل، ما سيقلص التقدم الذي حققه البنك المركزي في خفض التضخم السنوي الذي ارتفع إلى أكثر من 33%، في أعقاب قرار عام 2016 بتعويم العملة.

في السياق ذاته، وصل حجم الدين العام في مصر إلى 108% من حجم الناتج المحلي الإجمالي نهاية العام المالي الماضي، بحسب البيان المالي التمهيدي لموازنة العام المقبل (وصلت نسبة الدين الخارجي إلى 36.2% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية سبتمبر 2017 مقابل 15.1% منتصف 2014).

ووفقا لـ”نشرة سندات اليورو” التي طرحتها وزارة المالية، أبريل 2018، قفز حجم الدين الخارجي إلى 82.9 مليار جنيه في ديسمبر 2017، مقابل 46.1 مليار دولار في يونيو 2014.

ويتوقع خبراء أن تشهد جميع السلع والعقارات والخدمات والمواصلات طفرة كبيرة بداية من يونيو المقبل، قد تكون نواة لحالة غضب شعبي كبير، محذرين من أن زيادة الديون وزيادة فوائد خدمة الديون التي تبلغ “541” مليارا في الموازنة المقبلة، إضافة إلى ارتفاع سعر الدولار وانخفاض الجنيه تشكل عوامل انهيار متوقعة للاقتصاد؛ ربما تفضي إلى احتجاجات شعبية عارمة، وربما تتصاعد فلا يمكن احتواؤها في ظل موجات الغضب المكتوم في صدور المصريين.

خطورة الأموال الساخنة

من جانبه، يحذر الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام من خطورة الأموال الساخنة، مؤكدًا أنها أموال كاذبة لا تفيد الاقتصاد، ولا تبنى مصنعا ولا تقيم مشروعا إنتاجيا، ولا توفر فرصة عمل واحدة، ولا تحد من فقر أو بطالة أو تضخم، وتخطئ أي حكومة حينما تقيّم أداءها الاقتصادي بحجم تدفق هذه الأموال على البلاد، كما يخطئ بعضهم عندما يصنف الأوضاع الاقتصادية في بلد ما بناء على تدفقات الأموال الساخنة، لأن هذه الأموال لا تعبر عن تدفق رؤوس أموال حقيقية أو نمو اقتصادي حقيقي.

وينتقد عبد السلام تصريحات وزير المالية عمرو الجارحي من حين إلى آخر، ويعلن عن نجاح الحكومة في جذب استثمارات زادت على 20 مليار دولار في العام الأول لتعويم العملة المحلية وتحرير سوق الصرف، بل ويزداد الفخر فخرا عند تجاوز الرقم حاجز 23.5 مليار دولار بنهاية أبريل الماضي.

فالأموال الساخنة وهمٌ، ولا يجوز لحكومة عاقلة الرهان عليها، فالرهان الحقيقي يكون على الاستثمارات المباشرة التي تأتي لتستقر في الدولة، جاءت لتؤسس مصانع وتدفع ضرائب وتوفر فرص عمل وتزيد الإنتاج وبالتالي الصادرات، ولم تأتِ لتسبب اضطرابات في سوق الصرف وزيادة في سعر الدولار.

رابط دائم