بين عريس أسير وعناق مفقود بين زوجين منذ خمس سنوات إلى شاب رافض للانقلاب هوايته الحرية، وآخر أسير في سجن العقرب ماتت أمه قبيل لقائهما في المحكمة بساعات، حكايات صمود أسطوري سطرها أسرى ثورة 25 يناير، الذين ولدوا من رحم ميدان التحرير ورفضوا الانقلاب، وارتشفوا رحيق الصمود والتضحية في رابعة والنهضة والحرس الجمهوري ورمسيس وغيرها.
في الوقت الذي يواصل فيه أكثر من 60 ألف معتقل صمودهم وبعضهم دخل في إضراب الحرية والكرامة في سجون الانقلاب العسكري، تعيش عائلات هؤلاء المعتقلين معاناة وصموداً آخر بحرمانها من لقاء الأبناء والبنات الذين يخوضون معركة تكسير عظام في وجه الانقلاب في غياهب السجون.
مسلحة بالصبر والمعنويات العالية تتنقل عائلات المعتقلين بين سجون العسكر المنتشرة كالدمامل في وجه بالوطن، تحمل في جعبتها الشوق والحنين للأبناء ومثقلة بالهموم والهواجس على حياة ومصير المعتقلين المرضى أو المعزولين في “الإنفرادي” عن العالم الخارجي.

كلنا فاطمة
خمس سنوات من الأسر والممارسات التعسفية والإجراءات التصعيدية سلطات سجون الانقلاب بمنع الزيارات للعائلات، والإهمال الطبي للمعتقلين الذين يواجهون الموت البطيء، إلا أن هذه الاعتداءات والعقوبات لا تمنع العائلات من مواصلة النضال جنبا بجنب أبنائها المعتقلين.
أحد أكثر المواقف الإنسانية في مواجهة أحد المواقف اللا إنسانية، ليست دراما ولكنها حقائق مصرية، من أمام باب سجن طره زوجات وأخوات وأمهات يتزاحمون في انتظار رؤية ذويهم يخرجوا من سجن العقرب، لان الزيارة منعها الجلاد العسكري عنهم، كل ما يريدون سماع أصواتهم من خلف فتحات سيارة الترحيلات وجوانبها الحديدية الخرساء الباردة المصفحة.
تروى شقيقة أحد المعتقلين وتدعى “فاطمة”، واقعة لولا أنها حدثت لظن البعض أنها من أروع مشاهد الحزن والقهر والبكاء في السينما، تقول:”مع إن اخويا مش ممنوع من الزيارة لكن لقيت نفسي بأخرج من الطابور وبأقف بتأهب معاهم، خرجت عربية واتنين والتالته اللي كان فيها شاب صوته مقهور ومشتاق. قعد ينادي يا فاطمة يا فاطمة بحرقة”.
وتضيف:”لقتني بأرد عليه بنفس الحرقة بقوله ايوه سمعاك.صوت القهر سابقه .. وحشتوني يافاطمه. قلتله وانت كمان ربنا يحفظك ويثبتك نصر الله قريب.راح قعد يقولي احضنيلي ماما يافاطمة .. احضنيلي ماما يا فاطمة .. كرر العباره كتير وانا بجري ورا العربيه لغاية ما سبقتني”.

..وكلنا محمود!
وتابعت فاطمة بدموعها:”قعدت بعدها علي حجر منهارة من العياط بأعيط بصوت عالي. اللي يعرفني في الطابور كان مستغرب وعارفين ان اخواتي مش ممنوعين من الزيارة طيب بأكلم مين كده.واللي ميعرفونيش قالولي يقربلك ايه بقيت اصرخ واقولهم معرفوش معرفوش.انا معرفش رديت عليه ليه ومعرفش هو بقاله اد ايه ما شفش النور واتكلم مع حد من اهله. معرفش لو مكنش سمع ان حد من اهله كان بره هيحس بإيه. صوته كان شبه صوت محمود اخويا حسيت وقتها مينفعش اسيبه ينادي ومحدش يرد”.

وأضافت “فاطمة” :”شوية أم وبنتها جايين يجروا وبيعيطوا وبيقولوا الترحيلة خرجت. والام بتقول كان نفسي اسمع صوت محمود ابني.طلع اسمه محمود برضه. بصيت للبنت قلتلها انتي فاطمه قالتلي ايوه هو نده عليا؟ قمت حضنت مامتها وفضلت اعيط بصوت انا وهي كتير وقلتلها محمود بعت لك الحضن ده يا امي قالي احضنيلي ماما وقلت لاخته انا فاطمه برضه واخويا معتقل واسمه محمود وانا الي رديت عليه. قعدت تحضن فيا كتير”.
وختمت قصتها بالقول:”طلعوا جايين من #المنيا عشان بس يسمعوا صوت ابنها يعني كان لازم ارد علي محمود واعرفه اني اهله.. ان كلنا اهلكم والله”.
وحوّل أسرى الحرية ورافضي الانقلاب بمختلف انتماءاتهم، على مدى أعوام الانقلاب والأسر والتنكيل، سجون العسكر، إلى مكان للنضال والمعارك؛ شكّلوا منذ انقلاب 30 يونيو 2013 قوة ووقود للثورة لانتزاع حقوق الشعب المصري، خاضوا بصمودهم معارك، وكسبوها؛ لقّنوا جنرالات الانقلاب، ومعهم العالم الصامت المتواطئ المتخاذل، أنّ الصمود يكون حتى بالأرواح، وأنّ قيد السجّان لن يثنيهم عن نيل الحرية حتى الشهادة.
مئات آلاف المعتقلين مرّوا في سجون العسكر منذ انقلاب السفيه عبد الفتاح السيسي، على الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب للبلاد، بينهم نساء وأطفال، وأجنّة لم تكن قد وُلدت بعد، وأبصرت النور، داخل سجون ظالمة، شهدت أبشع أنواع التنكيل والتقتيل، يتجاوز عدد المعتقلين اليوم الـ 60 ألف ولكلّ منهم، حكاية مع الصمود.

رابط دائم