يرى البعض أن مبارك لم يرحل عقب الغضب العارم الذي انتشر في مصر قبل 7 سنوات، والذي تمت ترجمته إلى ثورة عارمة في ميادين مصر المختلفة. مشيرين إلى أن “المخلوع” سلم الجمل بما حمل لأفراد عصابته، وكلف المجلس العسكري الذي أسهم في تمرير معركة الجمل بإدارة شئون البلاد.

كما يرى هؤلاء أن الملايين خدعتهم التحية العسكرية، التي قدمها اللواء محسن الفنجري لأرواح الشهداء، قبل أن تتوارى خلف المذابح التي ارتكبها العسكر باليد نفسها التي أدت التحية للثوار.

ذهبت السكرة وجاءت الحسرة

بعد هذه التحية العسكرية بأسبوعين فقط قال الفنجري: “رصيدنا لديكم يسمح!!”، عقب هجوم قوات الشرطة العسكرية على مئات المعتصمين بميدان التحرير، وأمام مقر مجلس الوزراء، المطالبين بإقالة رئيس الوزراء أحمد شفيق، واستكمال باقي مهام الثورة، ثم اعتقال العشرات منهم ومحاكمتهم عسكريا، بتهم تراوحت بين حيازة سلاح، وخرق حظر التجول، والتعدي على قوات الجيش!

يقول الناشط السياسي عمار البلتاجي: “عند تنحي مبارك احتفلت وسررت كثيرًا، أذكر هذه اللحظات جيدًا، احتفلت بنجاتي ونجاة أهلي وأصدقائي ورفاق الثورة لكن لم احتفل أبدًا برحيل مبارك، بعد ساعتين من التنحي كتبت على صفحتي في الفيسبوك “انقلاب عسكري” بعدها عدلت المنشور لأكتب “نصف ثورة ونصف انقلاب”.

مضيفًا: “وفي اليوم التالي للتنحي استقر رأيي فكتبته “نصف ثورة ونصف انقلاب؛ إما يؤول لثورة شعبية كاملة، أو انقلاب عسكري كامل، أو لأحدهما ثم الآخر”، يومها أجمع الثوار في ميدان التحرير في هذه الليلة على التسليم بدور المجلس العسكري كشريك للثورة وعلى التسليم للثورة المضادة بحصة النصف مع الثورة ليستقر الأمر على شراكة بين الثورة والثورة المضادة بإجماع قوى الثورة -بمختلف أطيافها وألوانها- على قبول خطوة المجلس العسكري”.

الخطيئة الكبرى

كانت الثورة المضادة أكثر وعيًا بالعمق الإقليمي فجاءت موجتها متزامنة ومرتبة ومنسقة جيدًا، يقول الدكتور محمد الصغير، وكيل اللجنة الدينية بالبرلمان المنتخب ومستشار وزير الأوقاف السابق، ان:”ثورة الخامس والعشرين من يناير بدأت من فكرة رفض توريث الحكم إلى جمال مبارك مع إيصال رسالة احتجاج قوية في عيد الشرطة ضد ممارسات الداخلية التي أصبحت أقوى أذرع الدولة بقيادة “حبيب بيه” كما ينادونه، حتى الآن…!!”.

متابعًا: “وتقاطعت مصلحة قيادة الجيش مع هذين الأمرين وقرروا غض الطرف إلى حين والسماح للشباب بتحقيق الأهداف المشتركة، ريثما تسقط الثمرة في حجرهم. لكن انضمام جموع الشعب المصري إلى حركة الشباب حولها إلى بداية ثورة”.

وأوضح الصغير: “وكانت الخطيئة الكبرى لمن اعتبروا قيادة القوات المسلحة منفصلة عن نظام مبارك، والحقيقة أنه ليس هناك ثمة مشكلة بينهم وبين بقاء مبارك وإنما مشكلتهم محصورة في رفض تقديم التحية لشاب مدني يرث الحكم عن أبيه العسكري، وفي مذهب القوم أن العسكرية لا تورث، فقبل المجلس العسكري النصر المبدئي في الإطاحة بمشروع التوريث على أن يستعدوا بعدها للجولة الثانية للقضاء على ثورة يناير ورموزها أيا كانوا. فتولى المشير طنطاوي ومجلسه الحكم لمدة عام ونصف العام استطاعوا خلاله شيطنة الثورة وتفريق صف الثوار”.

فرق تنقلب!

بعد نجاح ثورة يناير تعمد المجلس العسكري بث بذور الفتنة بين شركاء الميدان باستفتاء مارس اللعين، فانطلقت الدعاية والدعاية المضادة، وانقسم الثوار بين نعم ولا، وفي النهاية، أبى المجلس العسكري إلا أن يوجه رسالة لنا جميعا، بأني وحدي لا شريك لي في الحكم، بأن أقر بضعا وسبعين مادة دستورية في الوقت الذي استفتى الشعب فيه على ست مواد فقط، ولكن، لأن بذور الفتن والشقاق والأطماع والوعود الزائفة كانت قد باعدت بين الثوار، صمت الجميع على هذا التصغير المتعمد لدور الشعب.

يقول الكاتب الصحفي والسيناريست حسام الغمري: “ما زالت عبارات الناشطة السياسية نوارة نجم تتردد أصداؤها في أذني: مفيش ظلم تاني.. مفيش خوف تاني، وأداعب نفسي قائلا: ليتها قالت إن شاء الله. فقدر البراءة والصفاء وحسن النية التي تلقينا بها تحية اللواء محسن الفنجري لأرواح شهدائنا، بقدر المكر وسوء النية والكيد الذي عزموا عليه للنيل من ثورتنا، وإخضاعها، وإعادة الشعب إلى حظيرة الخوف والتدجين، واللامبالاة، واليأس من أي مستقبل جماعي مشرق لهذا الوطن، وردة جماعية للأحلام الفردية بأمل النجاة على المستوى الشخصي من كوابيس مصر المحروسة المتجددة”.

مضيفا: “تعمد المجلس العسكري عدم تحقيق أي مطلب ثوري -كمحاكمة مبارك- إلا بعد إرهاق الشعب بمليونية في ميدان التحرير، حتى تفقد هذه المفردة هيبتها بتكرارها بحثا عن أي مطلب قد لا يكون بالأساس محل توافق الجميع.

ظهر المشير طنطاوي مرتديا حُلة مدنية، فضحت رغبته في العرش الفرعوني، فسخر الشعب من هذا، فجاء انتقام المشير رهيبا في مجلس الوزراء، ومحمد محمود، والعباسية، وملعب بورسعيد”.

وتابع: “سالت دماء تفوق تلك التي سالت في الـ18 يوما، هي عمر الثورة، أجريت انتخابات برلمانية شارك فيها 33 مليون مواطن، ولكن إرادة هؤلاء جميعا ذهبت أدراج الرياح، وقامت المحكمة الدستورية بحل المجلس بحجة عدم دستورية قانون انتخابه، وربما هذا هو الجزء من الدستور الذي فقط ينفذ، الجزء الذي يخدم الحاكم العسكري، أما الفقرات التي تتحدث عن الحريات، والحقوق المتكافئة من كل الدساتير المصرية، فهي الحلم بعيد المنال منذ وصول العسكر إلى الحكم بعد انقلاب يوليو 52”.

رابط دائم