المشهد السوري مرتبك ومربك في ذات الوقت، فكل إنسان سوي يملك ضميرا حيا لا يمكن أن يتعاطف مع الطاغية بشار الأسد الذي قتل مئات الآلاف من شعبه، ودفع الملايين إلى الهروب لاجئين في بلاد العالم خوفا من بطشه وظلمه.

وفي ذات الوقت لا يمكن لعاقل أن يرى في تنظيم همجي مثل داعش- كان للصهاينة والمجرم بشار دور في تأسيسه- خيارا يصب في صالح سوريا، فالتنظيم في مجمله يقوم على قراءة شديد السطحية والشذوذ، ويمارس إجراما لا يقل عن إجرام الطاغية بشار في المناطق التي كان يسيطر عليها.

كما لا يمكن أن يقبل أحد يملك حسا إسلاميا وعروبيا بالاحتلال الروسي لسوريا أو الضربات الأمريكية الغربية إن أصابت مدنيين سوريين حتى لو كانوا داعمين للمجرم بشار، فأمريكا أكدت أن ضرباتها تستهدف القضاء على كيماوي بشار، وكأنها تقول للطاغية السوري اقتل بالبراميل المتفجرة كما تشاء أو بأي سلاح آخر، لكن لا تقتل السوريين بالكيماوي!، وهل يختلف القتل بالكيماوي عن القتل بالبراميل المتفجرة؟!، كما جاءت الضربات الأمريكية محدودة الأثر، حتى إن أكثر من 100 صاروخ أمريكي أسفرت عن إصابة 3 أشخاص فقط، وفقا لمانشيت الأخبار اليوم الأحد.

ضعف بشار وهشاشة قواته دفعته مبكرا إلى الاستعانة بمليشيات إيرانية وعراقية وحزب الله، فلما فشلت استدعى روسيا، التي جاءت بأطماعها، لتكرس وجودها لعقود طويلة، حتى باتت هي الحاكم الفعلي لسوريا وبات دور بشار هامشيا، حيث يقوم بدور البلطجي المدعوم من روسيا.

الوجود الروسي في سوريا يثير غضب الأمريكان والغرب، الذين يريدون تقسيم النفوذ بينهم بما يضمن نصيبا مرضيا لكل طرف من الأطراف. وفي ذات الوقت تدعم أمريكا المليشيات الكردية التي تريد إقامة دولة كردية في شمال سوريا تضم مناطق الوجود الكردي في شمال العراق وإيران، إضافة إلى المناطق الكردية في جنوب تركيا.

هذه الرغبة الكردية تثير مخاوف تركيا، التي رأت في الدعم الأمريكي للمليشيات الكردية الموالية لحزب العمال الكردستاني في شمال سوريا، خطرا على الأمن القومي التركي، وأن تأسيس دولة كردية تقتطع أجزاء من الأراضي التركية والسورية والعراقية والإيرانية يمثل تمزيقا للمنطقة ودخولا لعصر الحروب والصراعات على أوسع نطاق؛ لذلك تدخل تركيا بقواتها المسلحة من أجل منع هذا السيناريو، ما تسبب في توتر العلاقات مع أمريكا خلال الشهور الماضية.

كما يفسر ذلك تعاون تركيا مع كل من روسيا وإيران وتعدد اللقاءات الثلاثية بشأن الوضع السوري رغم الخلافات في كثير من الملفات، حيث تدعم موسكو وطهران المجرم بشار، بينما ترى أنقرة ضرورة الإطاحة به وإقامة نظام ديمقراطي تعددي يضم جميع الفصائل والأطياف السورية.

تعاون تركيا مع كل من روسيا وإيران إنما يستهدف بالأساس تحجيم النفوذ الأمريكي في سوريا الداعم للأكراد، وهو الملف الذي يمثل خطورة على الأمن القومي التركي، لذلك ترى أنقرة أن الوجود الأمريكي في سوريا أكثر خطورة من الوجود الروسي الذي يكتفي بإمامة قواعد عسكرية وبسط النفوذ السياسي والاقتصادي حاليا، بعكس واشنطن التي تستهدف تحركاتها إضعاف تركيا من خلال دعم قيام دولة كردية.

«4» عوامل لاستمرار المأزق السوري

أولا: روسيا وإيران تريدان للوضع السوري أن يبقى مرتبكا حتى تكرسا نفوذهما في دمشق، بينما تريد واشنطن للحرب أن تستمر؛ ففي ذلك إضعاف لسوريا في سياق إضعاف المنطقة ككل لضمان أمن “إسرائيل”، وبذلك فقد خرجت العراق وسوريا من المعادلة الإقليمية لعقود طويلة، وهو ما يكرس التفوق الإسرائيلي حتى لو كان نظام سوريا عميلا لم يطلق رصاصة واحدة على الصهاينة منذ احتلال الجولان، فالمخاوف كانت قائمة من مجيء نظام يتمتع بالدعم الشعبي يمثل خطورة على الكيان الصهيوني، فكان الهدف هو تدمير سوريا كما حدث مع العراق تماما.

ثانيا: تريد أمريكا والغرب استمرار الوضع السوري المرتبك، من أجل استنزاف تركيا، وإشغالها دائما بالخطر الكردي الذي يهدد الأمن القومي التركي من خلال محاولات تأسيس دولة كردية تضم شمال سوريا وجنوب تركيا وشمال العراق وإيران، كما أن الوضع المرتبك من شأنه أن يتيح لميلشيا بي كاكا الكردية المدعومة من الأمريكان والغرب، أن تسبب تهديدا مستمرا على تركيا يعرقل تقدمها ونهضتها المستمرة.

ثالثا: الوضع السوري الفوضوي سوف يتيح للإدارة الأمريكية استنزاف البقرة الحلوب الخليجية المتمثلة في السعودية والإمارات، من خلال الضغط على الرياض لدفع فاتورة الحرب، وبذلك تدخل المليارت الخزانة الأمريكية، كما تستفيد شركات السلاح الأمريكية وتحقق مكاسب كبيرة تعوض به تبرعاتها لحملة دعم ترامب رئيسا.

ورابعا وأخيرا: فإن حكام العرب من جانبهم، يريدون للمأزق السوري أن يستمر حتى تبقى عبرة للشعوب إن تطلعت للحرية، وتبقى حجة النظم المستبدة دائما لتبرير قمعها وفشلها، «انظروا إلى سوريا احمدوا ربكم أنكم بخير»، فهم دائما ينظرون إلى النموذج الفاشل ولا يقارنون الوضع بالدول الناهضة القوية من أجل تكريس حكم الديكتاتوري وتبرير فشلهم المتواصل.

الخلاصة أن استمرار الحرب في سوريا يصب في صالح الصهاينة أولا ثم الغرب والأمريكان ثم سوريا وإيران، ثم النظم العربية المستبدة التي تريد من الشعب السوري أن يصبح عبرة للشعوب العربية المتطلعة للحرية، كما تريد تكريس فشل ثورات الربيع العربي، بينما استمرار الفوضى يضر أولا بالشعب السوري الذي يقدم تضحيات تفوق الوصف، وثانيا بالشعوب العربية المتطلعة للحرية، كما يمثل خطورة على الأمن القومي التركي خوفا من تأسيس دولة كردية تزيد الأمور اشتعالا، وأخيرا على وحدة الكيان العربي الذي بات يتآكل بفعل استبداد حكامه وتقديم مصالحهم الشخصية على مصالح الأمة والشعوب.

رابط دائم