من كثرة المصائب التي تلاحق المصريين لم نهتم بالقدر الكافي بواحدة من أسوأ الكوارث التي تنتظرنا، وهي تكرير مياه الصرف الصحي لنشرب منها ونروي أراضينا الزراعية، وتصاعدت وتيرة التصريحات الرسمية عن إنشاء محطات عملاقة في عموم البلاد المصرية لضخ مياه المجاري في مرفق مياه الشرب والترع كبديل عن مياه النيل!
هذه الفكرة السوداء تحولت فجأة إلى البديل الوحيد لمواجهة أزمة نقص المياة، ويظهر التعامل الحكومي معها وكأنها بشرى سارة واكتشاف نهر من الماء العذب لم يكن يعرفه أحد من قبل! ولا يخلو مؤتمر رسمي من الإشارة إلى الموضوع مع التأكيد على أن مياه الصرف المكررة ليست للزراعة فقط وإنما للشرب أيضا.
لا توجد دولة في العالم تعلن أنها ستعيد استخدام مياه الصرف للشرب والزراعة، لأن هذا نوع من التشوية للسمعة والإساءة إلى الشعب الذي يعيش في هذه الدولة، فمثل هذه التصريحات تؤدي إلى توقف الصادرات الزراعية، وامتناع دول العالم عن التعامل مع مصر واعتبارها بلدا موبوءا، وهذا ما حدث فور صدور هذه التصريحات حيث توقف تصدير الحاصلات والثمار إلى بعض الدول، حتى أقرب الأقربين مثل السودان.

الإسرائيليون وراء الفكرة
لقد تبين أن الإسرائيليين هم الذين يقفون خلف فكرة سقي المصريين مياه الصرف الصحي للإذلال والتربح من تصدير محطات المعالجة الإسرائيلية، فمنذ أيام أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فيديو تحدث فيه عن استعداده لحل مشكلة المياة في إيران بإنشاء محطات لتكرير مياه الصرف الصحي، وعرض نتنياهو على الشعب الإيراني الاستفادة من التكنولوجيا الإسرائيلية في هذا المجال!
ما قاله نتنياهو كشف أن الوسواس الذي يقف خلف هذه الفكرة المشئومة هم الإسرائيليون، الذين يريدون أن تشرب شعوبنا من مياه الصرف الصحي بينما يعملون في نفس الوقت لتحويل مياه النيل إلى صحراء النقب عبر مجمع سحارات سرابيوم بالاسماعيلية، أي تغيير مسار مياه النيل، وقد شرحت هذا بالتفصيل في المقال السابق عن حصة إسرائيل في مياه النيل.
لقد وردت فكرة تجرع المصريين مياه الصرف في صفقة القرن، ففي الوثيقة التي وضعها الجنرال غيورا أيلاند مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق جاء في الجزء المتعلق بالمزايا التي تقدمها إسرائيل إلى مصر ما يلي:

“تعاني مصر من مشكلة مياه تزداد سوءا؛ فهناك زيادة كبيرة في عدد السكان مقابل تراجع في مصادر المياه العذبة، وليس باستطاعة دولة نحو خمسين في المئة من سكانها يعيشون على الزراعة الاستمرار لجيل أو جيلين من دون حل جذري لمشكلة المياه. الأمر الذي يقتضي توظيف استثمارات في تحلية مياه البحر وتكرير مياه الصرف الصحي، ويتطلب هذا أموالاً طائلة وتكنولوجيا متطورة. وهو ما لا تملكه مصر، من هنا مقابل الكرم المصري، سيوظف العالم استثمارات في مصر (عبر البنك الدولي) في مشاريع تحلية المياه وتكريرها”.
أي أن “إسرائيل” هي التي تحدد لنا الحل الجذري لمشكلة المياة!

فكرة خبيثة
في البداية كنا نظن أن طرح الفكرة مجرد مزحة، أو أنها في إطار حملة التخويف المقصودة لتهيئة الرأي العام لقبول مؤامرة توصيل مياه النيل إلى الكيان الصهيوني وتعمير صحراء النقب، لكن يبدو أن العقل غائب أمام استراتيجيات صهيونية تنفذ بالقوة والإجبار بغرض الانتقام من الشعب المصري الذي يرفض الاستسلام.
الفكرة في حد ذاتها ساذجة وغير منطقية، فمياه الصرف الصحي ناتجة عن الاستخدام المنزلي الذي يمثل نسبة قليلة جدا من حصة مصر في مياه النيل، وهذه الكمية ستنخفض بشدة بسبب انخفاض الاستهلاك الناتج عن تجفيف النيل مع اكتمال بناء السد الإثيوبي، وأيضا مع ارتفاع أسعار فاتورة المياه التي ستخفض الاستهلاك المنزلي بشكل عام.
العجيب أن من يفكرون في إجبار المصريين على شرب مياه الصرف لم يقولوا لنا كم مرة ستتم عملية التكرير للمياة، هل مرة واحدة؟ وهل ستكون دورة المياة بين الاستخدام والتكرير مغلقة؟ أي هل سيشرب الانسان المياه النقية من النيل لمرة واحدة ثم يدخل في دورة التكرير والاستخدام ثم التكرير إلى مالا نهاية؟

ماذا نفعل في نجاسة الماء؟
إذا كان البعض خاصة النخبة الحاكمة والأثرياء والطبقة القادرة يظن أنه يستطيع شراء زجاجات المياة المعدنية للشرب فماذا عن الاستخدامات الأخرى؟ الماء مصدر الحياة، ولا حياة من دون ماء نظيف صالح للاستهلاك الآدمي.
إن موضوع استخدام مياه الصرف يطرح قضية تهم كل مسلم متعلقة بطهارة الماء وهل يجوز الوضوء به أم لا؟ فهذا الماء نجس وتكريره لا يقطع بطهارته، وهذا الباب من الأبواب الأساسية في الفقه الإسلامي فالطهور شطر الإيمان، واستخدام الماء الطاهر أساس العبادة، فلا صلاة من دون وضوء ولا وضوء من دون ماء طهور.

سياسة مائية غائبة
مصر من دون النيل ستتلاشى ولن تكون هناك حياة، والصرف الصحي ليس نهرا متدفقا يمكن تخيله بديلا عن نهر النيل، وإذا جف النيل فلن يكون هناك صرف من الأصل!

كما أن الاعتماد على مياه الصرف مصدرا لري المحاصيل الزراعية قرار إبادة للشعب المصري بالبطيء، سينتج عنه تدمير صحة المصريين أكثر مما نراه الآن بسبب المبيدات المسرطنة والهرمونات القادمة من “إسرائيل”.
إن طرح فكرة تكرير مياه الصرف دليل على غياب الرؤية في ملف المياه، فلماذا لا يتحدثون مثلا عن المياه الجوفية؟ إن مجرد الحديث عن بدائل لنهر النيل سواء كانت معقولة أم غير معقولة يشير إلى خطأ في التفكير الاستراتيجي وارتداد عن أبجديات مصالح مصر العليا منذ ايام الفراعنة، الذين مدوا سلطتهم جنوبا، وكان لهم منشآت حتى جوبا، ووزارة الري المصرية في العصر الحديث لها استراحات على نهر النيل حتى أوغندا، فالنيل ليس مجرد مصدر للماء وإنما هو محور الأمن القومي المصري.
لقد أوصلنا غياب الرؤية إلى حالة الهزيمة الاستراتيجية في هذا الملف المصيري أمام المخطط الإسرائيلي الذي يقف خلف الشركات الأمريكية والأوربية التي تستثمر المليارات في بناء السد الأثيوبي لبيع الكهرباء والماء، وضعف الدولة المصرية هو الذي فتح الباب أمام المستعمرين الجدد الذين وضعوا أيديهم على نهر النيل، ويريدون تحويل الماء إلى سلعة، يتاجرون فيها ويبيعون الماء بمقابل مالي وسياسي.

***
الأصل هو الدفاع عن حقنا في مياه النيل وليس الاستسلام للخطة الإسرائيلية والظهور بمظهر الحكماء المحبين لمن يريدون سرقة حقنا منذ ظهور الحضارة، فحقوق الشعوب في الحياة ليست قضية للمساومة، ولن يقبل المصريون شرب مياه الصرف من أجل توصيل النيل إلى “إسرائيل”.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم