كالعادة قائد الانقلاب يلقى باللائمة على الشعب، ويعتبره هو المسؤول عن سياساته الشعوائية والمتخبطة، فالحديث عن مشكلة الزيادة السكانية والقنبلة السكانية، والانفجار السكانى، كانت حاضرة دائماً في لقاءات قائد الانقلاب، فقد قال خلال كلمته فى الندوة التثقيفية بمسرح الجلاء، في فبراير 2015: إن المؤسسات تعمل بجد، ولكنها ليست على القدر المطلوب للنهوض بالدولة ومجابهة التحديات، وأنا بمفردى لن أستطيع العمل دون معاونة من 90 مليون مواطن، ولا بد أن نفتش فى أنفسنا ونرى أين نحن مما يدور حولنا دون الهجوم على الدولة ومؤسساتها دون علم، فأنا لم أر إعلاميا يناقش مشكلة الزيادة السكانية خلال الفترة الماضية، رغم أنها مشكلة على درجة كبيرة من الخطورة، ووجه سؤالا لشيخ الأزهر، عن مدى جواز مطالبة الشعب بتأجيل الإنجاب لفترة، والاكتفاء بثلاثة أطفال، فرد الشيخ قائلا: حلال.. حلال.. حلال.

وخلال مشاركته بالمؤتمر الدوري الرابع للشباب، والذى حمل عنوان رؤية مصر السكانية 2030، قال: أنا بسمع واحد مخلف 4 عيال ومش عارف يصرف عليهم منين، طب أنت مسئول أمام الله عن الأولاد اللى هتجبهم، انت بتضيع أولادك لأنك مش قادر تنفق عليهم، ومينفعش تقول نجيبهم وبعدين يجى رزقهم، ومتجيش تطالب الدولة بمصاريفهم، إحنا عاوزين نقف، مصر تواجه تحدى السكان والإرهاب، لتفتح المجال واسعاً أمام الإعلام للحديث حول القنبلة السكانية، وبالتالى عن الانفجار السكانى.

وهناك توجه لطرح مشروع قانون، يجرى طبخه في كواليس برلمان عبدالعال لتحديد النسل، وفرض عقوبات بعد المولود الثالث، وكانت إحدى أعضاء برلمان عبدالعال رفعت شعار:عايز تخلف.. خلف بعيد عننا، مفصحة عن ارتياحها لتمرير هذا القانون.

وقبل أيام صرح قائد الانقلاب قائلاً: لم يقم أحد من المواطنين بلوم نفسه، أحدهم يشكو امتلاكه خمسة أطفال ولا يستطيع تأمين احتياجاتهم من الغذاء، والسؤال:كيف تنجب خمسة أولاد وأنت غير قادر على توفير احتياجاتهم؟.

لكن اختزال المشكلة السكانية فى مصر باعتبارها زيادة سكانية فقط، يعد تسطيحاً للمشكلة، ولكن يجب النظر للمشكلة من كافة جوانبها، من حيث التعليم والصحة والمشاركة فى العمل ومتوسط دخل الفرد، وسوء توزيع السكان وتركزهم فى مساحة ضيقة لا تتجاوز 5.3% من إجمالى المساحة، ووجود فجوات كبيرة بين المناطق المختلفة، بالاضافة الى عدم التوازن بين النمو السكانى والنمو الاقتصادى، مع التركيز على مواجهة ثلاثية الفقر والجهل والمرض، وبناء مواطن سليم معافى عنده القدرة على دخول سوق العمل والانتاج باعتباره ثروة بشرية قادرة على دفع عجلة النمو الاقتصادى!!

وهنا يحضرنى ماقاله الشيخ محمد الغزالي رحمه الله لمبارك. حيث ذكر الدكتور محمد سليم العوا بعد ٢٥ثورة يناير في إحدى محاضراته:بعد نجاة مبارك، من حادثى الاغتيال بأديس أبابا سنة 1995م، توجه وفد من كبار العلماء لتهنئة مبارك على نجاته من الحادث. وعندما دخل مبارك، جلس بجانب الشيخ الغزالي، وبعد مجاملات معتادة، قال مبارك للشيخ الغزالي وهو يضع يده على ركبته: ادع لي يا شيخ غزالي، أنا حملي ثقيل، أنا مطلوب مني كل يوم الصبح أوكل سبعين مليون.
قال الشيخ الغزالي: لم أشعر بنفسي وهو يقول ذلك، فقلت له: إنت بتقول إيه؟!
فكرر عبارته: أنا مطلوب مني كل يوم أوكل سبعين مليون.
يقول الغزالي: فوجدت نفسي أنفجر فيه لأقول له: أنت فاكر نفسك مين؟!
إنت فاكر رُوحك ربنا؟!
هو انت تقدر توكل نفسك!
قال الشيخ الغزالي: فارتبك الرجل وتغير لون وجهه، وقال لي: أنا قصدي من الكلام المسؤولية اللي عليَّ.
قال الشيخ الغزالي: ولم أكن قد سمعته جيدا، فأكملت: مسؤولية إيه؟! المسؤولية على اللي يقدر، وإحنا كلنا في إيد ربنا.
إنت بكتيره تدعي وتقول: يا رب ساعدني، لكن تقول: أوكلهم، وكِّل نفسك.
قال الشيخ الغزالي: فوضع الرجل يده على ركبتي مرة أخرى وقال: استنى يا شيخ محمد، استنى، إنت يمكن مش فاهمني.
فقال له الشيخ الغزالي: مش مهم افهمك، المهم انت تفهمني، يا أخي (وفي السماء رزقكم وما توعدون) (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) (أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون).
فسكت مبارك ونظرت إلى وجهه وهو متحير، فأدركت ما فعلت، وأفقت، فنظرت إلى الشيخين لعل أحدهما يعينني، فوجدت أكبرهما سنا (الشيخ محمد الشعراوي) قد أسند ذقنه على عصاه وأغمض عينيه، ووجدت أكبرهما مقاما (الشيخ جاد الحق، شيخ الأزهر) قد أسند رأسه إلى مقعده وأغمض عينيه تحت نظارته، وأكمل مبارك كلامه بما يشبه الاعتذار عما قال، والرضا بما كنت أقوله، وجامل كلاً من الشيخين بكلمة.

والطريف أن عدد الشعب التركى قريب من عدد الشعب المصرى، وأن مساحة تركيا، حوالى نصف مساحة مصر، ومع ذلك فالرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” أعلن رفضه التام لتحديد النسل في الأسر التركية المسلمة، داعيا الأمهات إلى زيادة عدد الأتراك.
قائلا: سنزيد من النسل، لا وجود لأفكار مثل :تحديد النسل أو منع الحمل بين الأسر المسلمة. نحن نتبع سنة الله ورسوله، وكان الرئيس أردوغان، سبق له أن صرح بوجوب انجاب كل إمرأة تركية لثلاثة أطفال على الأقل، معتبرا منع الحمل نوعا من “الخيانة!!

فالمشكلة ليست في الإنجاب بل هي في التنمية التي لا تساير النمو الطبيعي لأي دولة!!

لكن تخيل دولة تتوسع في بناء السجون والمعتقلات، ومشارح جثث القتلى ولم تقم ببناء مصنعٍ واحدٍ، وتعتمد على المعونات والهبات والقروض، أنىّ لها أن تحقق تنمية، ومازال شعبها يسكن العشوائيات والمقابر؟!

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم