يُحكى أن السامرى -لعنه الله- كان منافقًا خالصًا، استغل غياب موسى -عليه السلام- ليفتن قومه؛ فاتخذ من حليهم عجلاً جسدًا له خوار، وادّعى أن هذا إلههم المعبود نسيه موسى لما ذهب للقاء ربه؛ فعبده القوم، وطافوا به، وسجدوا له، ورقصوا حوله إلخ تلك الخزعبلات التى يأتيها أهل الشرك وعبّاد الشياطين..

تذكرت هذه القصة، وتفاصيلها كثيرة فى كتب التفسير، لما قرأت (بوست) لأحد المجاذيب يتحدث فيه عن حكمة (….) الذى خَيَّر القوم بين «الدولة» و«البطاطس» وقلت: لا زال فى الناس أمثال السامرى حتى قيام الساعة، هم حفدته، وجند إبليس.

السامرى استغفل القوم وكان بين ظهرانيهم نبى من أولى العزم من الرسل، فما بالك بهذا الذى يستغفل الناس وكثيرون منهم ليسوا مهتدين. وكلهم –أى السامريون- يعدون ويمنون، ويكذبون ويتحرون الكذب، وما تلك الوعود والأمانى إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا ) [النساء: 120].

لن تكون دولة، كما لن تكون بطاطس، فكما كان إله السامرى المصنوع من الحلى دجلاً وشعبذة، فكذلك ما يقال عن إقامة دولة حقيقية استخفاف وكذب، فهذا الكلام وتلك الوعود تتردد على مسامعنا ومسامع آبائنا منذ نحو سبعين سنة، ولا زلنا «محلك سر»، والله شهيد أن مهندسًا صديقًا أكد لى أنه يعمل فى ورشة حكومية أسست فى الخمسينيات لم يتغير فيها آلة واحدة منذ هذا التاريخ وحتى الآن.

إن الذى فشل فى توفير سلعة شعبية مستحيل أن يقيم دولة، فالدول لها رجالها، وفاقد الشىء لا يعطيه؛ فمن يكفر بالديمقراطية لن تتوفر له أسباب توفير السلع للجماهير الفقيرة، وإذا لجأ إلى حلول فإنما تكون مؤقتة، وجبرية وكلما وفر سلعة شحّت أخرى، هكذا الأنظمة الانقلابية الفاسدة، يتحدثون عن بناء الدول ولا يقصدون بها دولة الشعب أو الأمة؛ تلك الدولة القائمة على الحرية وتداول السلطة، والنزاهة والشفافية إنما يقصدون مناصبها وسلطاتها التى يستولون عليها بالقهر؛ من ثم لا يعنيهم لا بطاطس ولا طماطم ولا بقدونس!!.

لقد ظل العبد الهالك «ناصر» -زعيم العسكر- يطلق الوعود ويستغفل القوم، حتى تركنا (على الحديدة)، انتُقصت الحدود، وشحّت الموارد، وضرب الفقر أرجاء المحروسة، وهو الذى هدد بإلقاء «إسرائيل» فى البحر فردت إسرائيل عليه عمليًا بتدمير مطاراته وطائراته فى ست ساعات، وفى غضون أيام باتت مدن القناة تحت سيطرتها، وتجهز سكان القاهرة وقتها لغزو وشيك من أحفاد القردة، لولا أنهم تريثوا –أى اليهود- حفاظًا على شبابهم وجيشهم الناشئ. أين كان «النصاب» الذى ادعى تصنيع القاهر والظافر، والطائرات والمجنزرات؟ اتضح أن هذه كلها كانت أوهامًا ومساخر، وأن المهزوم لم يكن يقوى على حرب بعوضة، لكنه كان أستاذًا فى الكذب والجعجعة.

والقوم يسيرون الآن على «كتالوج خالد الذكر» بالحرف، ادّعوا اختراع «جهاز الكفتة» إلا أن الوعى اختلف عن الخمسينيات، فاضطرهم الأحرار لإخفاء الجهاز وصاحبه، ثم ادّعوا اختراع «التكتك الطائر» فنالوا جزاء ادعائهم؛ إذ لم تسمح لهم الجماهير بالتمادى فى «الاستهبال»، وبالمثل قناة السويس الجديدة، والمؤتمر الاقتصادى، وارتفاع الدولار وغيرها..

ثم ما الدولة التى يتحدثون عنها؟ هم أنفسهم اعترفوا بأنها «شبه دولة»، فعلى مدى خمس سنوات لم نر إلا استبدادًا وتبعية، وكبتًا وفسادًا، وغلاء وبلاء وأوبئة، وقد كثرت الوعود: «أمهلونى سنتين»، «أمهلونى ستة أشهر»، «شوفوا مصر عام 2022». ولو بقيت مصر على هذا «الكتالوج» فسوف يأتى عام 2022 وأهلها -يرحمهم الله- فى دار الخلود.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم