أولئك الحمقى، أولو الأهواء، من ينظرون تحت أقدامهم فلا يتطلعون لما بين أيديهم أو على مرمى أبصارهم من الخير والبر، الذين حصروا أنفسهم فى مصالح ضيقة ورغبات وقتية تافهة فخسروا الدنيا والآخرة. لقد رأيناهم رأى العين وقد ضيعوا الأوطان، ووالوا الأعداء، وعقدوا الصفقات مع الشيطان فما نالوا شيئًا مما كانوا يطمحون.

إذ لا زال فى الناس ناسٌ يؤيدون الباطل، ويحاربون فى صفه، رغم ما مر بهم من أحداث تدعوهم إلى مراجعة أنفسهم والندم على ذلك التأييد إلا أنهم كما قال الله: (يُفتنون فى كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون) [التوبة: 126]، وتلك صفات الحمقى المغفلين، الذين يُلدغون من الجحر مرة ومرتين ومائة مرة حتى صاروا مطية لأهوائهم، وصدق فيهم قول الله –عز وجل-: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف:176]؛ فالله –تعالى- أراد لهم الكرامة والعزة، لكنهم استمسكوا بطين الأرض وروثها فأصبحوا على الحال التى يكون عليها الكلب من اللهث فى كل أوقاته حتى بدا فى صورة مقززة.

وهؤلاء لا يُعذرون بجهل؛ فالجاهل من غابت عنه الحقيقة فلم يصله منها شىء، أما هؤلاء فإنهم أصحاب فكر وذوو ألسنة حداد، يباغتون كل من يحاورهم ويردون إليه الصاع صاعين، ويدركون ما لا يدركه الكثيرون، لكن رُكِّب فيهم غباءٌ جعل على أعينهم غشاوة فلا يرون إلا ما ترى قلوبهم السوداء، والحق عند أصحاب القلوب السوداء لجلج فيه غبش، عكس فطرة الله التى فطر الناس عليها؛ فالأكياس الأسوياء الفطناء يرون الحق حقًا فيتبعونه، ويرون الباطل باطلا فيجتنبونه؛ لــ(ترمومتر إيمانى) فى صدورهم، يقودهم إلى الخير ويمنعهم الشر.

واستعرضْ معى مشهد أولئك الذين خرجوا يوم 30 يونيو 2013 منقادين بأهوائهم لنصرة الباطل، وهم يعلمون أنه باطل، ماذا جنوا على البلاد والعباد؟ بل ماذا جنوا على أنفسهم؟ لقد أغراهم الشيطان وغرتهم أنفسهم فانساقوا كالقطعان لا يلوون على شىء ظانين أنهم يبلغون مناهم، أو يأتون بما لم يأت به عظماء التاريخ؛ فإذا بهم يلقون بالوطن من أعلى قمة جبل فيتكسر ويتحطم، ويصاب كل من فيه بالأذى من يومها وحتى الساعة، غير من قضوا فى مشاهد دامية وأحداث مروعة.

ومن قبلهم هؤلاء الذين اتبعوا العبد الخاسر فأوردهم المهالك والهزائم، وأفقرهم وعذبهم عذابًا أليمًا، ورغم ذلك اتخذوه صنمًا يقدسونه ولا يرون رأيًا إلا رأيه، وهو فى الحقيقة أذل من خرج من ذرية آدم، حتى خرجوا بمئات الألوف يرجونه عدم التنحى، وليت هذا التنحى كان فى ظرف عادى، إنما كان بعد هزيمته التاريخية وبعدما سلّم البلد لليهود، وبعدما صرنا أضحوكة الأولين والآخرين.

لا يرجع هؤلاء المغفلون إلى دينهم ليستمدوا منه الإجابة الصحيحة عن كل ما يختلط عليهم من أمور، لكنهم ربطوا أنفسهم بمخلوق مثلهم يستمدون منه العون حتى باعوا آخرتهم بدنياه، وهم لا يدركون الفرق بين وعد الله ووعد الشيطان (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [البقرة: 268]؛ ما يؤكد ضحالتهم وغباءهم. وإن لم يسعفوا أنفسهم بتوبة فسوف يظلون على تلك الحال من الغفلة المميتة لقلوبهم وعقولهم والتى صيرتهم كالدواب التى تسرح فى أقدام راعيها، ولو أوردها أرضًا مسبعة لتبعته، وصدق الله القائل فى أمثالهم: (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ) [المدثر: 45]؛ فهم إذا سمعوا اللغو لم يعرضوا عنه، بل لا يتبينونه، ولا يميزون بين أبيض وأسود وحلال وحرام.

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) [الحديد: 16].. تلك آيات نزلت لتنبيه الذين غفلوا عن ذكر الله، ولتذكيرهم بفضله –سبحانه- على الناس، وأن كتابه الكريم وما فيه من آيات وحِكم هو العاصم من الزيغ والضلال؛ ففى آيات الله نجاة من الحمق والعىّ، وبها يكون المؤمن على بينة من أمره، لا يضره ضال إذا اهتدى، ويكون على بصيرة فلا يتبع الهوى، ولا يكون إمعة إن أحسن الناس يحسن وإن أساءوا يسىء، ولكن يوطّن نفسه على الإحسان والمروءة ودفع المضار عن الخلق.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم