أغلق قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي الباب على المصريين، لينفرد بإعدامهم واحدا تلو الآخر، دون أن يرى أو يسمع أحدًا، بعد التصديق على قانون رقم 180 لسنة 2018، بإصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

وسيطر قائد الانقلاب ونظامه على مجالس الإدارات والجمعيات العمومية للصحف المملوكة للدولة، بتقليل عدد المنتخبين ورفع عدد المعينين من خارجها، وعدم اتخاذ الأخيرة قرارات إلا بموافقة من هيئة الصحافة، كما تجاهل «المد الوجوبي» لسن المعاش للصحفيين إلى 65 عاما واستثناء من تراهم المؤسسات «خبرات نادرة»، والأخطر أنه منع عن الصحفيين حرية الحصول على المعلومات، وتعامل مع المؤسسات القومية باعتبارها شركات هادفة للربح، وهو الطريق الأمثل للاتجاه لخصخصة هذه المؤسسات.

إلا أن الكارثة الأخطر في القانون والذي منح المجلس الأعلى للإعلام حق توقيع عقوبات على الصحفيين، والحق في مراقبة وحجب ووقف الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي التي يزيد عدد متابعيها على خمسة آلاف شخص، من خلال الاتهام باستخدام كلمات فضفاضة من نوعية بث الكراهية والتحريض وتهديد الديمقراطية والمواد الإباحية وغيرها مما قد تستخدم ضد الصحفيين.

كما أعاد القانون الحبس الاحتياطي في قضايا النشر، بعدما تم إلغاؤه عام 2012، وعدم عرض القانون على نقابة الصحفيين، ما يخالف الدستور الذي نص على أنه «يؤخذ رأي النقابات المهنية في مشروعات القوانين المتعلقة بها»، وفتح الباب أمام النيل من الصحافة القومية، بإعطاء حق إلغاء ودمج المؤسسات والإصدارات الصحفية.

وبهذا يكون نظام عبد الفتاح السيسي قد فصل الصحافة عن التعبير عن آلام الناس وعذاباتهم، وواقعهم المرير، لينفرد نظام السيسي بالغلابة والفقراء، ويعدمهم واحدا تلو الآخر، دون صريخ أو ناصر لهم.

وأكد أبو المعاطي السندوبي، الكاتب الصحفي، أن نظام عبد الفتاح السيسي يعتمد على الكذب والتحايل والتضليل، مضيفًا أن الملاحظات التي قدمتها نقابة الصحفيين لم يتم الأخذ بها، مضيفا أن نقيب الصحفيين وافق على القانون لأنه رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام التابعة للدولة ويخشى على منصبه.

وأوضح السندوبي أن أعضاء هيئة مكتب نقابة الصحفيين يرتبطون مع نظام الانقلاب بمصالح خاصة؛ أملا في الوصول إلى مناصب رئيس تحرير، وباعوا كل الضمير الصحفي والصحفيين الذين انتخبوهم.

وأشار السندوبي إلى أن القانون يتكون من 4 قوانين: الأول تنظيم الصحافة والإعلام، ويشمل عملية إصدار الصحف وإنشاء قنوات فضائية ووضع الصحفيين والإعلاميين تجاه الدولة، والثاني قانون المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والثالث قانون الهيئة الوطنية للصحافة، والرابع قانون الهيئة الوطنية للإعلام، وهذه القوانين تقضي على مهنة الصحافة والإعلام، وتحول الصحفيين إلى “عساكر مراسلة” في خدمة النظام، ويفقد الصحفي أي هامش من الحرية.

فيما قال الكاتب الصحفي وائل قنديل: إن مرور قانون إعدام الصحافة المصرية تحوّل لواقع كئيب، بعد أن صدّق عليه عبد الفتاح السيسي، من دون مقاومةٍ تذكر، ليجرّد الجماعة الصحفية المصرية من مكسبها التاريخي والوحيد، الذي حصلت عليه بعد نضالٍ مريرٍ واعتصامات مفتوحة داخل مبنى النقابة العريق، في وسط القاهرة، في العام 1995، حينما تداعى الصحفيون للتصدّي للقانون 93 لسنة 1995 الذي أصدره نظام حسني مبارك، واشتهر باسم “قانون حماية الفساد” الذي يحاول قطع خطوط الاتصال بين الصحافة والمواطن، فكانت معركةً طويلة، دفاعًا عن حرية المجتمع وحقه في التعبير والتنفس، فانضمت إلى الاعتصام غالبية النقابات المهنية الأخرى، المعنيّة بالحريات والحقوق، كما شارك مواطنون عاديون، إدراكًا بأن خنق الصحافة بتشريعاتٍ مغلظةٍ هو اعتداء على حق المواطن في البوح والشكوى والتظلم.

وأشار إلى انتفاضة الجماعة الوطنية في نقابة الصحفيين حتى تراجع نظام مبارك، وإلغاء القانون المعيب، وصدور قانون بديل هو القانون 96 الذي نصّت المواد السبعة الأولى منه على قدسية حرية الصحافة، التي هي حرية للمجتمع: (مادة 1 – الصحافة سلطة شعبية تمارس رسالتها بحريةٍ مسئولة في خدمة المجتمع، تعبيرا عن مختلف اتجاهات الرأي العام، وإسهاما في تكوينه وتوجيهه من خلال حرية التعبير وممارسة النقد ونشر الأنباء، وذلك كله في إطار المقوّمات الأساسية للمجتمع وأحكام الدستور والقانون).

وأشار إلى أنه في ذلك الوقت كانت هناك جماعة صحفية ووطنية، وكانت هناك نقابةٌ محترمة، تحولت فيما بعد إلى مبنى زجاجي متعدّد الطوابق، أنشأته القوات المسلحة، في زمن إبراهيم نافع ومكرم محمد أحمد، وفقد الصحفيون حديقتهم، وزهور حديقتهم، وانتقلوا إلى “برج الجيش”، كما تحول كتاب في مقدار جلال عارف، لكاتب زاوية للدفاع عن السيسي، مثله مثل أحمد موسى، وكرم جبر، ومكرم محمد أحمد.

وأكد قنديل أنه لم تبق ثمّة مقاومة، أو قدرة، أو حتى رغبة، في الاحتجاج لدى الجماعة الصحفية ضد إجراءات تدمير المهنة.. حتى زفرات الأنين (الفردية) لم تعد تقوى على الخروج إلى العلن، فلا أحد يجرؤ على الغضب، وإن غضب فليس ثمّة من ينشر صيحة غضب أو اعتراض.

رابط دائم