لسنا مجرد رقم.. صفحة دشنها آلاف النشطاء السوريين مع الذكرى السابعة للحرب في سوريا، والأرقام التي أوردهاالمرصد السوري لحقوق الإنسان للكشف عن حصيلة مجازر بشار الأسد، على مدار سبع سنوات، أدت إلى مقتل أكثر من 350 ألف شخص منذ منتصف مارس 2011، من بين الضحايا أكثر من 106 ألف مدني بينهم 19 ألف طفل، فضلا عن دمار هائل في البنى التحتية، ونزوح أكثر من نصف السكان (15 مليون نسمة) داخل البلاد وخارجها، بالإضافة إلى عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من المعتقلين في سجون بشار تحت وطأة التعذيب الفاشي، دون أن يتحرك أحد لوقف هذه المذابح.

ما بين هنا وهناك

هذا الشعور بأننا “مجرد أرقام” في كشوف التعذيب التي تشرف عليها الأنظمة الفاشية في الوطن العربي، أصبح راسخا لدى المصريين، بعد أن تحول أبناؤهم في سجون الانقلاب لمجرد أرقام.

حتى إن المصريين تولد لديهم شعور بالبلادة تجاه أي حالة جديدة من القتل في سجون الانقلاب أو الاعتقال، نظرا لكثرة الانتهاكات اليومية من قتل واعتقال وتدمير بيوت في سيناء أو غيرها، فتشعر وأنت تسمع بيانات القوات المسلحة عن عدد المعتقلين أو المقتولين في سيناء أو شتى أنحاء الجمهورية، أن المذكورين أصبحوا مجرد أرقام اعتيادية، يعلن عنها يوميا نظام الانقلاب، فيوم يعلن أنه قتل عشرة أشخاص  ويوم أخر يعلن أنه قتل عشرين شخصا، ولا عزاء لأسر المقتولين، خاصة وأن الاتهام جاهز ومكتوب في دفاتر ومحاضر الانقلاب ونياباته بأن المذكورين هم مجرد إرهابيين.

بل إن موسوعة الأرقام السيساوية في القتل والاعتقال والسجن، وصلت لبني جلدته أنفسهم، واتسعت لتشكل رموزا من المجلس العسكري، تحولوا هم أيضا لمجرد أرقام في سجون السيسي، في الوقت الذي كان السيسي في يوم سابق يرتجف وهو يضع تقاريره لهم على منضدتهم خلال وجودهم في الحكم.

فهل تتذكر الفريق سامي عنان المحبوس في سجون السيسي منذ سبعة أشهر تقريبا، والذي كان يحكم السيسي شخصيا، ليتحول لمجرد رقم في السجن لمجرد أنه ترشح أمام السيسي، بل إن المصريين نسوا تقريبا هذا الاسم وأهملوه في سجلاتهم.

وهل تتذكر العقيد أحمد قنصوه الذي فكر وترشح لرئاسة الجمهورية بدون إذن السيسي، فكان عقابه هو الاعتقال في نفس اليوم، والحكم عليه بالسجن المشدد 15 عاما.

ومن يتذكر اللواء أحمد وصفي الذي أطاح به السيسي من قيادة الجيش الثاني، بعد أن أكد أنه لا نية لترشح السيسي للحكم، أو الفريق أسامة عسكر الذي كان يتولى مهمة الحرب الدائرة في سيناء، ثم تداولت صحف ووكالات أنباء أخبارا عن اعتقاله واتهامه بسرقة 500 مليون جنيه.

وإذا خرجت من قائمة العسكر أو المؤيدين السابقين للسييس، الذين يقبعون حاليا في سجون الانقلاب، مثل حازم عبد العظيم وغيره، وبعض شباب الثورة أو شباب تمرد الذين تآمروا على الشرعية لدعم السيسي في الحكم.

لن يسعك الوقت لحصر أرقام المعتقلين من أساتذة الجامعات والمفكرين والعلماء وشباب الثورة، والنوابغ والنساء والأطفال، الذين مازالوا يقبعون في سجون الانقلاب.

ومن بين هؤلاء أستاذ جامعي هو الدكتور عبد الله شحاتة خطاب خبير الاقتصاد الدولي، الذي حكم عليه قضاء السيسي، أمس، بالسجن المؤبد 25 عاماً هو وشقيقه، بعد اتهامها بالإرهاب، في أعقاب مجزرة رابعة العدوية.

وبعد فترة اعتقال وسجن مورست خلالهما كل أشكال التعذيب والقتل المنهجي للوجود الإنساني لأستاذ جامعي حاصل على الدكتوراه من بريطانيا، ونال تقديراً دولياً من خلال عمله في مراكز اقتصادية عالمية متخصصة، وخبيراً بالمعونة الأمريكية ومستشاراً في وزارة المالية وخبيراً في صندوق النقد الدولي.

دفعت ثورة يناير عبد الله شحاتة بالحنين والانتماء إلى العودة، موظفاً خبراته وتجربته الناجحة في مشروع إعادة بناء مصر، دولة للحرية والكرامة الإنسانية والديمقراطية، واستقال من مناصبه الدولية المرموقة ورجع، ليكون مصيره، بعد أشهر قلائل من المحاولة، زنزانة خانقة وسجاناً سادياً، وحصصا وافرة من التعذيب، وصفها محاميه عزت غنيم الذي جرى اعتقاله وتعذيبه فيما بعد، بالقول: حضرت تجديد حبسه؛ تمالكت نفسي من البكاء أول ما رأيته قادما نحوي، وبيده الأغلال، ويهرع إليّ محتضناً قائلاً: “مبهدلك معي في الجامعة وفي النيابة كمان”؛ لم يكن لي خيار الرد بعدما جذبه العسكري إلى داخل مبنى النيابة بشدة، سمعت منه كيف تم تعذيبه.

ووفقا لشهادة المحامي، فإنه واجه تعذيباً رهيباً في زنزانته، بهدف إجباره على الإدلاء بأقوال واعترافات معدة له سلفاً أمام كاميرا فيديو مثبتة أمامه.

ويعلق الكاتب الصحفي وائل قنديل قائلا: “ما يفعله نظام عبد الفتاح السيسي في مصر هو عملية إجهاز بشكل كامل على مفهوم الشعب في حياة الأمم، وتحويل الجماهير إلى كائناتٍ لا تطالب إلا باحتياجاتها الغريزية، ولا تفكّر في أبعد من ذلك، بحيث يصبح منتهى الحلم هو البقاء على قيد الحياة، خارج زنزانة”.

وأضاف خلال مقاله بصحيفة “العربي الجديد” اليوم الجمعة، ” ستبقى عمليات مسح الإنسان المصري من الوجود ما بقيت هذه الشوفينية مستمرة، بينما تواصل السلطة، بتنفيذييها وإعلامييها، عداءً عنصرياً بغيضاً لقطاعات أوسع من الشعب المصري، تنظر إليها باعتبارها أوراماً سرطانية تهدّد”التنمية الكاذبة”، ويجب استئصالها، مع الفشل في معالجتها، الأمر الذي يفرز مناخاً عدمياً، تذهب فيه قيمة المواطنة أدراج رياح شوفينيةٍ وفاشيةٍ، تمنح المواطن المصري، الناقم على تردي الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، شعوراً بأن وطنه ينكره، ولا يريده”.

رابط دائم