الحصول على جنسية أخرى غير المصرية حلم يراود الكثير من شباب مصر بعد انقلاب 30 يونيو 2013؛ طمعًا في مزايا لا توفرها الجنسية المصرية، وعلى رأسها الحماية من القمع والتحصين من السرقة والنهب، حتى إن هرولة الساسة والعسكريين والإعلاميين في عصابة الانقلاب للحصول على جنسية أجنبية لهم ولأولادهم، كشفت عن معاناة المصريين غير الحاملين لجنسية أجنبية في بلدهم، وكيف تتبدل أحوالهم فور حصولهم على جنسية أجنبية.

الكاتبة فريدة الشوباشي، كتبت تهنئ حفيدها الذي حصل على شهادة من إحدى الجامعات الفرنسية، وربما يحمل الجنسية الفرنسية إضافة إلى المصرية، وقالت: “أدهم الشوباشي تخرج اليوم من معهد السينما في باريس، قلت تشاركوني فرحتي بنجاح حفيدي.. يا رب دايما يا حبيبي”، فرد عليها الناشط محمد عبد الحي بالقول: “الله ليه كده يا تيتة فريدة ما أخدهاش من أم الدنيا ليه؟! ولا هيَّ الجنسية الفرنسية اللي معاكي للتعليم والصحة والجنسية المصرية للتعريـ… وأكل العيش”.

ويبدو أن المقولة التي أطلقها الراحل مصطفى كامل “لو لم أكن مصريًا لوددت أن أكون مصريًا” بدأت تندثر؛ بفضل سياسات قائد الانقلاب السفيه عبد الفتاح السيسي، ما دفع البعض للتفكير في التنازل عن جنسيته للتخلص من عديد المشكلات أبرزها السجن.

عسل أسود

بعد سنوات من إنتاج فيلم “عسل أسود”، لم تجد زوجة الصحفي باهر محمد، أحد المتهمين المسجونين وقتها على ذمة هزلية خلية الماريوت، غير التصريح بعد ترحيل زميله الأسترالي بيتر جريستي وإخلاء سبيل زميله الثاني محمد فهمي لحصوله على الجنسية الكندية، قائلة: “أسعى بجدية أن أحصل على جنسية أخرى، طالما أنها السبيل الوحيد لإخراجه من السجن. أبحث عن جنسية أخرى له ولأبنائي لحماية حقوقهم مستقبلا”.

وليتأكد الأمر لمن كان لا يزال بحاجة إلى تأكيد، لم تفرج سلطات الانقلاب عن الناشط السياسي والحقوقي محمد سلطان، المضرب عن الطعام لشهور داخل سجونها، إلا بعد أن تخلى عن مصريته، وهو الحامل للجنسية الأمريكية، ما لم تغفره سلطات الانقلاب لمحمد سلطان وغيره هو وقوفهم أمام بطش العسكر، ولولا جواز سفره الأمريكي لبقي يعاني ويلات السجون وانتقام السجانين منه ومن زملائه.

في مصر وبقية الدول العربية، لا يشفع لك أن تكون ابن البلد لتتمتع بـ”حقوقك المصرية”، فللأجانب معاملة خاصة من سلطة الانقلاب، أما ابن البلد فلا يلقى من المعاملة غير القمع والانتهاكات والترويع، محمد سلطان كان عائدًا من الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في الحراك الثوري الذي تلا الخامس والعشرين من شهر يناير في العام 2011، قبل أن تمر كثير من المياه تحت جسر “الثورة”، وينتهي به المطاف معتقلا ومحكوما على ذمة هزلية حوكم على إثرها بالمؤبد، وكان نصيب والده منها الإعدام.

وراء الكاميرات

لا يكفي الانتماء البيولوجي للبلد حتى تتمتع بحقوق المواطنة الكاملة، بل إن ازدواجية الجنسية صار السبيل الوحيد لنيل الحقوق الإنسانية التي تكفلها المواثيق والأعراف، وليس غريبا إذن أن نرى كيف يتهافت المصريون على التسجيل بالملايين في القرعة السنوية التي تنظمها الولايات المتحدة الأمريكية كل سنة، ولا تهافت زوجات المشاهير على أمريكا في الأسابيع الأخيرة لوضع أجنتهن هناك.

لكن الأغرب هو انتقال الرغبة في الانتماء إلى أي دولة غير عربية إلى البحث عن مواطنة بلدان ما كانت لتخطر على البال قبل سنوات قليلة من اليوم، في مصر مثلا تشير إحصائيات رسمية إلى أن الآلاف يتقدمون بطلبات التجنيس المزدوج، بل منهم من يطالب بإسقاط الجنسية عنهم نظير الحصول على جنسيات بلدان غانا ومنغوليا وبروناي وباكستان وكوسوفو وتنزانيا وترينيداد توباجو، بل تعدى الأمر إلى دول لم يسمع بها قبل، كدولة سانت كريس ونيفيس، وهي دولة اتحادية من جزيرتين من جزر الهند الغربية.

وبعد انقلاب 3 يوليو 2013، صارت مصر دولة طاردة، ليس فقط للعائدين إليها من كبار السن، بل لشباب في مقتبل العمر، ذنبهم الوحيد أنهم جاهروا برفض حكم عسكري انقلابي أجهض تجربة انتخابية، شكلت تمرينا ديمقراطيا كان ينتظر الرعاية فتم الإجهاز عليه.

هكذا صار القتل على الهوية والانتماء لجماعة الإخوان المسلمين- التي صارت بقدرة قادر إرهابية محظورة- طقسا يوميا تمارسه قوات الأمن المختلفة، ومعها ما يسمى بالمواطنين الشرفاء وراء الزعيم الملهم، المفارقة أنه في فيلم “عسل أسود” يرفض الممثل أحمد حلمي، في دور مصري سيد العربي، الجواز الأمريكي، لكنه في عالم الواقع ووراء الكاميرات انضم مع زوجته الممثلة منى زكي، لطابور “سياحة الأمومة”!.

جدير بالذكر أنه في الوقت الذي أصدرت فيه حكومة الانقلاب الموافقة على مشروع تعديل بعض أحكام القانون رقم 26 لسنة 1975، بشأن إسقاط الجنسية المصرية عن رافضي انقلاب العسكر، خرجت وزارة الداخلية ببيانات أصبحت شبه دورية لمنح بعض المواطنين جنسيات أخرى مع الاحتفاظ بالجنسية المصرية أو التنازل عنها، واللافت للنظر أن إحصاءات المتنازلين عن الجنسية بشكل نهائي ودون الاحتفاظ بالجنسية المصرية آخذة في الصعود.

رابط دائم