يصر جنرال الانقلاب عبد الفتاح السيسي على ضخ المزيد من الروح في أجهزته الأمنية والإعلامية من أجل نشر مزيد من الخوف والكراهية، حتى تحولت مصر في عهد عسكر 30 يونيو إلى معسكر من الكراهية والحقد.

ويمكن وضع الحملة العسكرية التي أطلقها الجنرال، أمس، على سيناء وبعض محافظات الجمهورية في هذا السياق، وسط حالة من الهوس والمبالغة في تضخيم الحملة التي تأتي بمسمى “الحملة الشاملة”.

في مصر الكل يعيش في خوف، فالإسلاميون والنشطاء خائفون على مستقبل الوطن كما يتخوَّفون من القتل والاعتقال ومصادرة الأموال، والنظام يخاف من المعارضة، والسيسي يخاف من الانقلاب عليه واغتياله، وأنصار السيسي يتخوَّفون عليه من القتل والاغتيال، وجموع الشعب تخاف من الجميع، والإرهاب الحقيقي والمفتعل هو أداة النظام لإثارة مزيد من الخوف والفزع.

يقول الدكتور محمود خليل، الكاتب والمحلل السياسي الموالي للعسكر في صحيفة الوطن: «لست أدرى ما سر حالة الهوس التى يعيشها الإعلام هذه الأيام بـ«إرعاب الناس»، لسان حال الكثير من البرامج والمواد الإعلامية التى يتابعها الجمهور تدور فى الأغلب حول فكرة أننا مهددون، وأن بعض زعماء العالم ورؤساء الدول يستيقظون صباحا فيفركون أعينهم ويطرحون على أنفسهم السؤال اليومى: ماذا نحن فاعلون بمصر اليوم؟!».

ويرد خليل على نفسه بخبث لا تخفى دلالته، مضيفا «وبالتالى ينصح الإعلام والإعلاميون المصريين بعد أن يفركوا أعينهم مع مشرق كل صباح أن يحمدوا المولى كثيرا على أنهم لا يزالون على قيد الحياة!، يُمسك هذا الإعلامى أو ذاك الخريطة فيُسهب فى الحديث عن التهديدات التى تأتينا من الشرق والغرب، وتحاصرنا من الشمال والجنوب، ولا يكلف خاطره بأن يقول للمشاهد ما أبعاد هذه التهديدات، ولا الخطط التى سوف تسلكها الدولة فى مواجهتها (هى تهديدات وخلاص)، ولا ينسى فى ختام الكلام أن يذكرك بأن عليك أن ترضى بما قسمت الحكومة لك، وأنها «النافع الوحيد» للمصريين».

المبالغة في الحملة العسكرية

في هذا السياق، يمكن تفهم المبالغة والتضخيم من جانب الأبواق العسكرية الموالية للعسكر للحملة العسكرية التي أطلقها الجنرال، أمس الجمعة، حتى إن بعضهم ساوى بينها وبين حرب أكتوبر، ولكن أحمد موسى اعتبرها أهم وأخطر من حرب أكتوبر!.

فأحمد موسى، الذراع الإعلامية المحببة للأجهزة الأمنية، قال في برنامجه “على مسئوليتي” على فضائية “صدى البلد”: “النهاردة الحرب في سينا أهم من حرب أكتوبر 73″، واصفا معارضي الجنرال السيسي بالعدو، وقال: “ده جارك وممكن يكون قاعد جنبك وجارك وعايش معاك”.

ودعا “كل المواطنين للمشاركة في المعركة من وجهة نظره، ودعم الجيش والشرطة”، محذرا “من أي بيانات مخالفة لما يصدر من النظام”، وواصفا “منتقدي هذه الحملة العسكرية بالإخوان وأعداء الوطن، وقال: “مصر بتعمل دلوقتي كتاب جديد في مواجهة الإرهاب”.

سجن الخوف

ويكشف كتاب المعماري العراقي كنعان مكية، الذي حمل عنوان «جمهورية الخوف»، كيف برع الرئيس العراقي السابق صدام حسين في خلق الأسلوب الذي استطاع به أن يهيمن على أكثر الشعوب العربية تمردا وقوة!، في كتابه يروي مكية كيف استطاع صدام حسين أن يحول العراق إلى دولة شمولية مستبدة أكثر من أي دولة أخرى ذات نظام استبدادي! بالخوف، والخوف وحده تمكّن صدام من إخضاع العراق وشعبه لأكثر من ثلاثة عقود!.

فالإنسان سجين خوفه، ولما تحرر الشعب من قيوده ومخاوفه وثار على الديكتاتور حسني مبارك، وعاش الشعب مرحلة غير مسبوقة من الحرية، كانت مكونات الدولة العميقة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، تعمل ليل نهار من أجل إعادة الشعب إلى سجن الخوف مرة أخرى. فالهدف هو وضع الشعب كل الشعب في سجن الخوف وقيود الرهبة من النظام السلطوي العسكري.

خلق عدو وهمي أو حقيقي

وكدأب معظم المستبدين والطغاة عبر التاريخ، فإنهم لتكريس حكمهم المستبد يتفنون في صناعة الخوف بخلق عدو حقيقي أو وهمي من أجل ابتزاز الشعوب والتضييق عليها ومصادرة حقوقها في الحرية والعدالة والمشاركة في صنع القرار.

ومنذ جاء جنرال الانقلاب عبد الفتاح بالسطو على الحكم عبر انقلاب دموي، كان يدرك هذه المعادلة، فتحدث عن الإرهاب المحتمل (العدو الوهمي)، وسكب مزيدا من التمزق المجتمعي (احنا شعب وانتو شعب)، وسفك الدماء الزكية.

كوريا الشمالية، على سبيل المثال، نظامها الشيوعي الشمولي اتخذ من الولايات المتحدة الأمريكية العدو الكبير والأوحد له، ويسوق للشعب- ليلا ونهارا- أننا بحاجة للتجهز والإنفاق على القدرات العسكرية لمحاربتها ودحرها والتغلب عليها، وهذا ما لن يحدث أبدا، فلو حاربها ستنشب حرب عالمية لا تبقي ولا تذر، ولن ينتصر بأي حال من الأحوال، والنظام يعلم هذا جيدا ولا يريده، فالمطلوب هو استمرارية العدو وليس مواجهته بالحرب ولا التصالح معه، فلو تم هذا فقد انتفى السبب الذي يتخذه النظام ستارا لقمع الشعب وسلبه حقوقه ومقدراته.

رابط دائم