تعرض الصحفيات للتحرش داخل صحف الانقلاب أمر عادي ومتكرر، لحرص الانقلاب على تشغيل أسوأ وأفشل الصحفيين اخلاقيا، وما ينشر هو قمة جبل الجيل بسبب الاحراج الذي تشعر به الفتيات والخوف من طردهن من الكبار المتحرشين في المؤسسات الصحفية.

إيقاف الصحفي الأمنجي “دندراوي الهواري” رئيس التحرير التنفيذي لليوم السابع عن العمل بعد اتهامه بتهمة اخلاقية كبري وهي التحرش البدني واللفظي بصحفية بالجريدة، وتقديم الصحفية “مي الشامي” التي تعرضت لسفالته بلاغ فيه اليوم السبت للنيابة العامة، بحسب “مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون”، ليس هو الواقعة الاولي ولكن هناك عشرات الوقائع التي لم يتم الكشف سوى عن القليل منها.

صدمة الصحفيات

بل إن آخر الدراسات التي أعدتها “الشبكة العربية لدعم الإعلام”، والتي حملت عنوان “رؤية الصحفيات المصريات لأنفسهن من واقع ممارستهن المهنية”، كشفت عن صدمة كبيرة، وهي أن أكثر من 35% من صحفيات مصر يواجهن التحرش خلال العمل، واحتل التحرش اللفظي نسبة أكبر من التحرش الجسدي.

وكشفت الدراسة التي أجريت على 100 صحفية، عن أمر آخر وهو رغبة 14% منهن على ترك الصحافة والبحث عن وظيفة أخرى؛ إذ أنّ مدى قبول المحررة الصحفية للتحرش من عدمه، بات يتحكّم في قرار النشر الذي يملكه المسئول عن التحرير، فإذا تقبَّلت يمكن أن تجد موضوعًا لها منشورًا على صفحة كاملة، وإذا رفضت، ربما تجده ملقى في سلة المهملات باعتباره موضوعًا تالفًا.

صبي خالد صلاح

“دندراوي” صبي خالد صلاح وخليفة مصطفي بكري الذي قام بالتحرش بالصحفية “مي الشامي” في قسم الفيديو 7 وطاردها مثلما فعل بالعشرات من البنات بالجريدة معتمدا علي صلته الوثيقة بجهاز المخابرات ونفاقه الدائم للسيسي، كان من الممكن أن يفلت بفعلته كما حدث مع اخرين غطي الانقلاب على فضائحهم، ولكن نشر زملاء وزميلات الضحية للواقعة ووصولها للنيابة، فتح ملف تحرش صحفيي الانقلاب بالصحفيات في المؤسسات الصحفية الانقلابية المختلفة.

وروت الصحفية “مي الشامي” روت قصتها علي فيس بوك مؤكده: “نعم تعرضت لمضايقات متتالية من شخص داخل مكان العمل صالة التحرير ولكني فضلت التحقيقات بدلا من الحديث لوسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي”.

3 حالات تحرش في عامين

ومنذ 2016 تم الكشف عن 3 حالات تحرش بعد فضح المتحرشات لرؤساء التحرير الذين قاموا بهذه الافعال الخسيسة، اخرها حالة “دنداروي الهواري” الذي يعد أحد أبواق الانقلاب.

ففي عام 2016 اتهمت صحيفة مصرية رئيس تحرير صحيفة ومجلة حكومية كبري بالتحرش بها داخل مكتبه مقابل مزايا وظيفية ومنصب، وقدمت بلاغا للشرطة والنيابة للتحقيق معه، مؤكده أنه “خلف الأبواب المغلقة داخل المؤسسات الصحفية يحدث الكثير”.

الصحفية “منى يسري” قالت عبر حسابها علي فيس بوك أن رئيس التحرير المتهم هو “إبراهيم خليل”، رئيس تحرير “روز اليوسف”، واتهمته بالتحرش الجسدي بها داخل مكتبه بمقر المؤسسة، بالأحضان والقبلات، موضحة أنها حررت محضرًا رسميًا بالواقعة أمام مأمور قسم شرطة قصر النيل، وقد تم رفع البلاغ إلى النائب العام وتم التغطية علي الفضيحة وعدم التحقيق معه والطرمخة علي الفضيحة واجبار الصحفية علي مسح ما كتبته علي فيس بوك.

واتهمت الصحفية في بلاغها للنيابة العامة في المحضر الذي يحمل رقم “11668/2016” جنح قصر النيل، بحضور المحامي مايكل رؤوف، رئيس التحرير بقيامه باستدراجها للجريدة بدعوى مناقشة بعض الأعمال الصحفية، ثم مفاجأتها بالانتهاك الجسدي والتحرش اللفظي داخل مكتبه، في مقر المجلة، وعرض المزيد من المميزات الوظيفية، والقيام بمطاردتها تليفونيا.

أحداث خلف الأبواب المغلقة

وفي شهادتها عبر صفحتها الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” قالت “منى” إن “خلف الأبواب المغلقة داخل المؤسسات الصحفية يحدث الكثير، واستباحة حرمة الأنثى في مصر أصبحت من الأشياء السائدة والأشياء المسكوت عنها، وأصبح التحرش بالنسبة للمصريين أمر عادي بل أقل من العادي، والمصريين أصبحوا غير قادرين على احترام الأنثى، ولا سبيل لدى أنثى تملك طموح في هذه الدولة سوى الوصول له عن طريق جسدها”.

وفي بوست آخر على حسابها كتبت تقول: “في أشلاء الدول، يتحول الطموح الى ثمن تتقاضاه مقابل التنازل الجزئي أو الكلي عن مبادئك، التفريط الجزئي يقود للتفريط الكلي، ومواجهة الحقيقة وليس الهروب منها والتغاضي عنها قد يكون مفتاح لحل جزئي لظاهرة تفشت داخل المؤسسات المصرية من أصغرها لأكبرها”.

وتساءلت: “هل ضاعت ثورة يناير بدماء شهدائها سوى بمساومة حفنة من اللصوص تجار المبادئ، مقابل المال الذي ابتاعوا به الوطن؟”، وأجابت: “في اشلاء الدول تأكل الجارية بثدييها، بينما تبقى الحرة تبحث عن متنفس ربما تجد فسحة من الحياة قبل المضي إلى العدم”.

السكوت جريمة

وقالت: “أنا مش أول صحفية أو بنت بشكل عام في مصر يحصل لها كده، لكن السكوت عن هذا الشيء أمر مخزي، جريمة السكوت عن الواقعة لا تقل جرم عن قبولي لعرضه السخيف بمميزات وظيفية مقابل طلباته الدنيئة، وقبولي لتعديه عليا دون المطالبة بحقي، بنات كتير بتخاف تتكلم وده حقهم، بس الأكيد ان سكوتهم بيكون ثمن لاستمرار هذه المهازل، ووجود هؤلاء الأوغاد متصدرين الشاشات والمؤسسات”، بحسب قولها.

وفي عام 2017 تم نشر تسريب للصحفي الانقلابي محمد الباز رئيس تحرير جريدة الدستور التابعة للمخابرات الحربية، يكشف فيه الكثير من الأسرار حول العلاقات الجنسية بين رؤساء الصحف والصحفيات.

وفي التسريب فضح محمد الباز نفسه وفضح العلاقات الجنسية لرؤساء التحرير ذكر منهم عادل حمودة، وعبد الرحيم علي، وخالد صلاح وغيرهم وتحدث عن كل وساخات الإعلاميين ورموز الصحافة والإعلام، مؤكدا: “كلنا أوساخ”.

وقال الباز في التسريب المنسوب إليه، أن العلاقات في الصحافة المصرية، محمية بالفساد لأننا كلنا فاسدون وكل واحد ماسك حاجة على التاني، ويتناول التسريب كيف يتستر “رؤساء الصحف المختلفة” على بعضهم في إدارة شبكة داخل مواقعهم الصحفية وذكر وخص بالذكر عبد الرحيم علي ومجدي الجلاد، ونجيب ساويرس ومجموعة من الإعلاميين.

حكايات التحرش المسكوت عنه

قصة “مني” و”مي” وغيرهم هي قصص متكررة ومشابهة يتم تداولها بين الصحفيات المصريات في أحاديثهن ودوائرهن الخاصة، ولكنها في الأغلب لا تخرج إلى العلن، لأسباب مختلفة، من بينها خوف الصحفيات من أن يتم حرمانهن من التعيين في مؤسساتهن، والذي يعد تذكرة الدخول لجنة نقابة الصحفيين الموعودة، أو حتى إحساسهن بعدم جدوى إعلانهن عمّا حدث، أمام علو منصب الشخص الذي تحرش بهن، ما يمنحه القدرة على تحريك حملات مضادة بحقهن، أو على الأقل عدم تعرضه لأي مساءلة قانونية.

بالنسبة للصحفيات، لا يعد أصحاب المناصب القيادية المصدر الوحيد المحتمل التحرش، بل تتسع دائرة الخطر لتشمل كل من يتعاملون معهن، من مديرين مباشرين، وزملاء عمل، ومصادر صحفية، وصولًا للمواطنين العاديين أثناء قيامهن بتغطية ميدانية.

تحرشات سخيفة

وتروي “علياء” وهي صحفية شابة، اضطرت لترك الجريدة التي كانت تعمل بها سابقًا بعد تكرار تعرضها للتحرش على يد رئيسها، الذي وصفته بأنه “صحفي مرموق تقلد مناصب كبيرة قبل ذلك، كما أنه طاعن في السن”، لموقع “مدى مصر” إنه “اعتاد أن يحتضنني ويقبلني بمجرد رؤيتي كنوع من التحية، وكنت أحاول تعزية نفسي بأنني في مقام حفيدته، إلا أن تصرفاته سرعان ما فضحته”.

أما “دعاء”، وهي صحفية تعمل في جريدة كبرى، فتقول لـ “مدى مصر” إنها تعرضت بشكل متكرر لمحاولات تحرش من أحد مدراءها: “مرة لمس كتفي ومرة تاني وقف برجليه الاتنين على قدمي وأنا قاعدة، ولما صرخت قاللي: هي بتوجع؟”.

ولم يتوقف التحرش عند هذا “الزميل” على حد قول “دعاء”، فهناك زملاء آخرون يتحرشون بها وبزميلاتها بشكل شبه يومي: “أحد المدراء معروف بالنسبة لنا، ما نقدرش نسلم عليه عشان بنخاف يقفش في إيدينا، ممكن يفضل ماسك إيد الواحدة مننا ربع ساعة مثلا”!

رابط دائم