رغم كثرة المبادرات التي تنطلق من هنا وهناك من أجل وضع حل للأزمة المصرية منذ انقلاب 3 يوليو 2013م، وكان آخرها مبادرات الدكتور محمد محيي، القيادي بحزب غد الثورة، والدكتور حسن نافعة، ثم السفير معصوم مرزوق، والأستاذ كمال الهلباوي، وقبلها مبادرات الدكتور سعد الدين إبراهيم، مدير مركز ابن خلدون، إلا أن هذه المبادرات دائما ما تنتهي بالفشل وعدم تحقيق أي اختراق يذكر.

أسباب فشل هذه المبادرات

أولا: التشخيص الخاطئ، وذلك بزعم أن الأزمة بين العسكر والإخوان، لأن الأزمة أكبر من ذلك بكثير، فالنظام يدخل في صراع وجودي ليس مع الإخوان فقط بل مع جميع الشعب المصري وعلى رأسه الكيانات التي شاركت في ثورة 25 يناير؛ لأن 30 يونيو ببساطة مسحت كل مكاسب 25 يناير بأستيكة، كما يقول الكاتب الكبير وائل قنديل، وظن البعض أنه يمكن إصلاح النظام من الداخل عبر الاعتراف بشرعيته رغم أنه جاء بانقلاب دموي، لكن هذه التصورات ذهبت أدراج الرياح، وبات الجميع متأكدين من أن النظام الحالي الذي يقوده السفاح الديكتاتور عبد الفتاح السيسي لا يمكن تغييره عبر الآليات الديمقراطية؛ لأنه أصلا معادٍ للديمقراطية، ويسحق كل من يفكر مجرد التفكير في منافسته على الحكم.

ربما يكون سبب ذلك هو أن الإخوان يمثلون الفصيل الشعبي الأكبر الذي شارك في ثورة يناير ونجح في الفوز بالبرلمان والرئاسة، وهو ما دفع الدكتور ممدح حمزة إلى تأكيد ذلك في تصريحات صحفية بقوله: “لو كان في السلطة من لديه قدرة على التفكير العقلاني، فإنه يجب عليه الاتصال فورا بجماعة الإخوان المسلمين وبدء إجراءات المصالحة الحقيقية معهم، فهم التنظيم الوحيد القادر على التعبئة الشعبية والسياسية في وقت قليل”، حسب قوله. مستبعدا ممارسة الخليج ضغوطا على الجيش للإطاحة بالسيسي أو لتصحيح مسار الأوضاع، كما أن الاتحاد الأوروبي والغرب لا يهتمون كثيرا بالانتهاكات في ظل ضمان السيسي مصالح الغرب وحمايتها».

ثانيا: الواقع الراهن غير مهيأ من الأساس لأي مبادرات في ظل إصرار العسكر على أنهم جاءوا إلى الحكم عبر الاستجابة للملايين التي خرجت في 30 يونيو، رغم أن العسكر أنفسهم  يعلمون أنهم من خطط لمشهد 30 يونيو، وحرضوا كل وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة على الرئيس المنتخب، كما يعلمون أن حركة “تمرد” تأسست في دهاليز المخابرات الحربية، وتم تمويلها من جانب أبو ظبي بمعرفة عباس كامل والسيسي.

كما خرجت دلالات، وفقا لتقارير كثيرة، تكلمت عن تنسيق الجيش مع أطراف محلية وإقليمية للترتيب لانقلاب عسكري على «الإخوان» والرئيس محمد مرسي، فإن تمسُّك السلطة بموقفها من الصراع الحالي واستمرارها في اعتقال المحسوبين على «الإخوان» والمعارضين لتوجهاتها السياسية، يراه مراقبون مؤشرا على رغبة السلطة في نسف أي محاولات لتهيئة الأجواء لمصالحة شاملة.

ثالثا: الجيش لا يقتنع بضرورة الانسحاب من الواقع السياسي، وأن السلطة العسكرية تؤمن بحقها في الاستحواذ على المشهد بالكامل في مصر، وهو ما يبدد أي حماسة لأي مقترحات تخص الواقع السياسي، بحسب الدكتور حسن نافعة، في تصريحات صحفية لموقع “عربي بوست”، الذي يستبعد موافقة السيسي على التصالح مع «الإخوان»، مؤكدا أن المؤسسة العسكرية لن تنسحب من الحياة السياسية مطلقا.

ويؤكد ذلك أيضا تصريحات الدكتور ممدوح حمزة “في حال وجود مبادرات جادة لحلحلة الواقع السياسي المصري، فإن السلطة الحالية في مصر لا تسمع لأحد ولن تسمع، في ظل امتلاكها تصورا قمعيا تمضي في تحقيقه دون الالتفات إلى أي نتائج سلبية تحدث حاليا”.

رابعا: أي مصالحة لا بد أن تفضي إلى تحقيق العدالة والمحاكمة لمن تورط في الدماء، فهل يقبل السيسي مثل هذه الخطوة وهو يعلم أنه متورط في الدماء حتى أذنيه؟ وفي سبيل ذلك أصدر تشريعا يحصن كبار القادة والجنرالات في الجيش من أي مساءلة أو محاكمة خلال الفترة التي تلت الانقلاب من 30 يونيو 2013 حتى يناير 2015م.

خامسا: الجيش حريص كل الحرص على ضمان استمرار نفوذه وامتيازاته كمؤسسة من جهة، وضمان امتيازات عناصره من جهة أخرى، والذي يهيمنون على جميع مفاصل الدولة في الوزارات والمحافظات والشركات، وأي مبادرة لا تفضي إلى حكم مدني ديمقراطي مكتوب لها الفشل؛ فلن يرضى العسكر بذلك مطلقا؛ حماية لمصالحهم، ولن ترضى قوى ثورة يناير بأقل من عودة الجيش إلى ثكناته واحترام ما نص عليه الدستور من أجل وظيفة الجيش، وهي حماية حدود البلاد من الأعداء وليس التطبيع معههم وحماية مصالحهم.

سادسا: سيقى الوضع على ما هو عليه في ظل وجود الجنرال السيسي، وستبقى مصر تنزف من دماء أبنائها وثرواتها وأموالها، بل سوف تتوسع في الاقتراض وفرض مزيد من الضرائب حتى يتم التخلص من السيسي بأي طريقة، سواء بطريقة سلمية عبر انتهاء مدته الثانية وهي التي يسعى إلى تعديلها حتى يحكم مدى الحياة، أو بطريقة أخرى.

ومع تغيير قيادة النظام والمؤسسة العسكرية نحو قيادات غير متورطة في الدماء يمكن عندئذ أن يكون هناك طريق نحو التوصل لاتفاق يفضي إلى انتقال محسوب نحو الديمقراطية والحكم المدني، خصوصا بعد تأكد الجميع بما فيها قيادات المؤسسة العسكرية نفسها وجميع مؤسسات الدولة أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار بعد أن فشل في تحقيق أي نجاح يذكر.

رابط دائم