كتب سيد توكل:

لا فرق بين جماعة حزب الله الشيعية الإيرانية في لبنان وجماعة العسكر في مصر، كلاهما يعتمد الإرهاب والقمع ولا يتورع عن ارتكاب أفظع الجرائم، ربما الفرق الوحيد أن جماعة حزب الله لم تصل إلى التحكم الكامل في مفاصل الدولة اللبنانية، أما في مصر فقد وصل سرطان العسكر إلى نخاع الدولة، والمفارقة أنه مع بطش حزب الله المحدود مقارنة بجماعة العسكر، إلا أن الرئيس محمد مرسي ظل على صموده طوال هذه السنوات، لم يعطهم ما توسلوا وتسولوا إليه ليمنحهم إياه.. الاستقالة والشرعية.

ومارست المملكة العربية السعودية التي ترعى انقلاب السفيه السيبسي في مصر، أقصى الضغوط على الرئيس المنتخب محمد مرسي، من أجل المحافظة على معادلة سايكس بيكو وضمان مصالح الغرب وبالأخص المشاريع الصهيوأمريكية، التي وافق عليها جميعًا السفيه السيسي وآخرها اتفاق القرن، إلا أن الرئيس مرسي رفض ذلك كله، وسجل مواقف بطولية تجاه غزة وفلسطين، وتجاه الشعب السوري، وكان هذا تحولا في الموقف المصري بعد الثورة لم يرق للأطراف الدولية وعلى رأسها واشنطن، التي اعتادت على انبطاح جنرالات كامب ديفيد.

الصدمة
وظل الرئيس مرسي يردد في كل مناسبة أن "الشرعية ثمنها حياتي أنا"، وكان دائما ما يوصي المصريين على الحفاظ على ثورتهم من السرقة التي وقعت في 30 يونيو 2013، وعلى عكس مواقف الرئيس مرسي أتت خطوة إعلان سعد الحريري عن استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية صادمة.

الصدمة لم يحدثها مضمون الخبر فقط، بل الشكل الذي رافق الإعلان.. من مكان مجهول خرج الحريري ليتلو بيانًا مكتوبًا أمام العدسات السعودية، التي كانت أول من أعلن الخبر، لتنهال ردود الفعل اللبنانية مستغربة ومستنكرة، خروج نبأ الاستقالة من الرياض والإعلام السعودي بشكل لم تألفه الأعراف والأصول الدستورية والسياسية اللبنانية.

فيما أكد مراقبون أن المشهد اللبناني يمكن أن يتغير في ضوء التجاذبات الإقليمية التي عادة ما تؤثر على لبنان، خاصة في ضوء تصاعد الأزمة بين إيران والسعودية، وهما أبرز المؤثرين في المشهد اللبناني.

كما أن هناك من يرى أن المواقف الدولية قد تتغير في بورصة المصالح المشتركة، لا سيما بعد الكشف عن طلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساعدة مالية من ولي العهد السعودي لتمويل القوة العسكرية في منطقة الساحل الإفريقي.

وفي ملف حزب الله تحديدا، يجب ألا يغيب العامل الصهيوني الذي يبدو أنه ينتظر حتى الآن مآلات التصعيد السعودي ضده، وسط تأكيدات من محللين صهاينة أن تل أبيب لن تضيع أي فرصة تسنح لها لضرب حزب الله استغلالا لانشغاله في الدفاع عن نظام المجرم "بشار الأسد" في سوريا، أو اندلاع فوضى في لبنان كالتي تم صناعتها قبل انقلاب السفيه السيسي.

صمود الرئيس
جاء السفيه السيسي مدعوما من الغرب ومن السعودية، إلى الرئيس محمد مرسي قبل أيام من الانقلاب وطلب منه ببساطة أن يستقيل من منصبه، فرد مرسي على الجنرال الصهيوني "لن يتم ذلك إلا على جسدي".

ووجد أول رئيس منتخب ديمقراطيا في تاريخ مصر نفسه بعد يومين من ذلك الطلب، أنه لوحده بعد أن تخلى عنه حلفاؤه، ولا يرغب أي أحد من الجيش أو الشرطة في تقديم الدعم له.

وحتى أفراد حراسته من الحرس الجمهوري ابتعدوا عنه ببساطة عندما جاء أفراد قوات النخبة لأخذه إلى مرفق لم يُكشف عنه من مرافق وزارة الدفاع.

ومنح "الخونة" الرئيس 7 أيام لحل خلافاته مع المعارضة التي تلقت أوامر بتصعيد الأزمة المفتعلة، وواجه مرسي خيانة شاملة خلال الأشهر الأخيرة من حكمه جاءت من كل المؤسسات في البلاد تقريبا، بما في ذلك القضاء، والقوات المسلحة، والشرطة، والاستخبارات، والأزهر والكنيسة.

إلى درجة أن كل أجهزة الدولة بما فيها الاستخبارات العامة أصبحت لا تزوده بالمعلومات، وتنشر جنودا ومدرعات في المدن دون علمه، كما رفضت الشرطة حماية مكاتب الإخوان المسلمين التي تعرضت للاعتداء على يد "بلطجية" أعدتهم وسلحتهم الشرطة.

لا تراجع ولا استسلام!
كان الرئيس المنتخب د.محمد مرسي يجاهد من أجل استمرار شرعية الثورة دون أن يكون هناك أحد بلجأ إليه، ما عدا طلب المساعدة الخارجية عبر سفراء غربيين وحلقة ضيقة من مساعديه من الإخوان المسلمين الذين لم يستطيعوا أن يقدموا له أكثر من تسجيل كلمته الأخيرة في الدقائق الأخيرة قبل أخذه إلى المكان المجهول.

وفي تلك الكلمة.. شدد الرئيس د.محمد مرسي وبحماسة واضحة على شرعيته، وهى رسالة للعسكر ومن ورائهم واشنطن وتل أبيب والسعودية والإمارات، وظل يكررها باستمرار في أحاديثه مع السفيه السيسي.

وفي اللقاءين اللذين جمعا بينه وبين السفيه السيسي ورئيس الوزراء هشام قنديل، ظل مرسي يشدد على التفويض الذي يتمتع به من انتخابات يونيو 2012، وقال أحد المراقبين إن خونة الجيش قرروا مسبقا الانقلاب على الرئيس مرسي، وإن السفيه السيسي لم يكن مستعدا للمفاوضات التي كان الرئيس مستعدا لتقديمها، وأضاف "كنا ساذجين.. لم نكن نتخيل أن الخيانة يمكن أن تصل إلى ذلك الحد"!

لم يكن السفيه السيسي والجنرالات الخونة وعصابة الانقلاب لتترك الثوار في حالة لو استقال الرئيس مرسي، بل كانت الاستقالة ستكتب الشرعية لكل مجازر السفيه السيسي التي وقعت، وبدونها لا يزال السيسي فاقدًا للشرعية كمجرد جنرال خائن وثب على السلطة، وربما فضل الرئيس مرسي تقديم حياته ثمنًا لشرعية ثورية دفع ثمنها الآلاف في جمعة الغضب وما تلاها من أيام ثورة 25 يناير المجيدة.

رابط دائم