بالتزامن مع زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الذي اشتهر بتصدير المرتزقة إلى دول الصراعات المختلفة في المنطقة، إلى مصر ولقائه السيسي ومدير المخابرات، حذر نائب الرئيس السوداني من تهديدات عسكرية محتملة من مصر وإريتريا في منطقة “ساوا” الإريترية، وأرسلت الحكومة السودانية تعزيزات كبيرة إلى “كسلا” على الحدود مع إريتريا.

زيارة الرئيس الإريتري جاءت في أعقاب أنباء عن إرسال مصر والإمارات قوات الي اريتريا قرب الحدود مع السودان وإثيوبيا، بهدف تهديد الخرطوم وأديس أبابا على خلفية التصعيد الأخير بين الأطراف الثلاثة بسبب حلايب وشلاتين وسد النهضة، وهي أنباء نفتها مصر.

ولكن إبراهيم محمود، مساعد الرئيس السوداني، قال إن حزب المؤتمر الوطني الحاكم، طلب استمرار الترتيبات الأمنية على الحدود الشرقية، بعد تلقي معلومات أمنية عن تهديدات عسكرية محتملة من مصر وإريتريا في منطقة ساوا الحدودية، ورصد تحركات عسكرية للقاهرة وأسمرة بالقرب من الحدود المشتركة مع إريتريا شرقي السودان.

وقال تقرير لمجلة ميدل إيست مونيتور أن مصر بالتنسيق مع الإمارات دفعت بقوات مسلحة إلى إحدى القواعد العسكرية في إريتريا ونقل التقرير عن مصادر قولها إن اجتماعا عُقد في القاعدة وضم عددا من القيادات العسكرية والأمنية من مصر والإمارات وإريتريا والمعارضة السودانية.

تعاون عسكري مكثف

وقالت المعارضة الإريترية إن أسمرا منحت الضوء الأخضر لمصر لإنشاء قاعدة في إريتريا، فيما تحدثت تقارير إعلامية عن وصول ما وصفته بتعزيزات عسكرية من مصر هي عبارة عن أسلحة حديثة وآليات نقل عسكرية وسيارات دفع رباعي إلى قاعدة “ساوا” العسكرية في إريتريا.

وأكدت أن اجتماعًا أقيم في القاعدة ضمَّ عددًا من القيادات العسكرية والأمنية من مصر والإمارات وإريتريا والمعارضة السودانية الممثلة في بعض حركات دارفور وحركات الشرق، ما يشير لقرب شن هذه القوات المرتزقة من المعارضة السودانية للحدود السودانية الشرقية بدعم مصري وإماراتي، وهو ما دعا الرئيس السوداني عمر البشير لإعلان حالة الطوارئ في عدد من الولايات السودانية.

وقال محققو الأمم المتحدة إن صور الأقمار الصناعية تظهر أن موافق الموانئ التابعة للقاعدة التي تبنيها الإمارات في إريتريا اكتملت منذ أربعة أشهر مع رسو سفن متعددة بها، وأن الدبابات والمدفعية التابعة لدولة الإمارات كانت موجودة بين مرافق الميناء ومطار يتم تطويره حالياً، إضافة لتقديم أبو ظبي لمساعدات عسكرية وتدريب لأسمرا.

وسبق أن أبلغ مراقبو الأمم المتحدة مجلس الأمن عام 2015 أن السعودية والإمارات أقامتا وجوداً عسكرياً بإريتريا كجزء من الحملة التي تقودها السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن التي تقع على بعد 40 كم من هذه الدولة الإفريقية الفقيرة، عبر الأحمر البحر، وفي العام التالي حذّر المراقبون من أن أنشطة الدولتين الخليجيتين العسكرية ومنها القاعدة العسكرية والميناء البحري الجديدين بإريتريا يشكلان انتهاكاً لحظر تصدير السلاح لهذه الدولة.

كما تحدثت مجلة ناشونال أنتريست الأميركية عن مشاركة قوات إريترية (مرتزقة) في الحرب باليمن بدفع سعودي إماراتي، وحسب موقع جلوبال سكيورتي الأميركي فإن السعودية ودبي تواصلان جهودهما لإنشاء قاعدة عسكرية في إريتريا.

وقد أبرمت الإمارات اتفاقية إيجار مع إريتريا لمدة 30 عاماً للاستخدام العسكري للميناء العميق للمياه العميقة ومطار في مدينة عصب.

وعزز هذا وصول الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى القاهرة، 9 يناير 2018 في زيارة رسمية يومين، عقد خلالها محادثات مع السيسي، بحضور وزير الخارجية سامح شكري، ورئيس المخابرات العامة خالد فوزي.
ومع أن رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي مريام ديسالين، نفي وجود قاعدة عسكرية لمصر في إريتريا وميناء “بربرة” بأرض الصومال، الواقعة في الشمال الصومالي، وأكد أن بلاده لديها معلومات مؤكدة بعدم وجود أي قواعد عسكرية لمصر في أرض الصومال، إلا أنه فيما يتعلق بـ “قواعد مصرية في إريتريا”، قال: لا يمكن تأكيدها أو نفيها”.

وجاءت زيارة الرئيس الاريتري لمصر في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات المصرية مع الخرطوم وأديس أبابا بشأن نزاعات حدودية مع السودان وتعثر المفاوضات حول سد النهضة الإثيوبي، واتخاذ السودان نفس الموقف الاثيوبي من سد النهضة ضد مصر.

مربع التوتر

وخلال الأيام الماضية دخلت إريتريا والسودان إلى مربع التوتر، وإن لم يصدر حتى الآن تصريح رسمي من أي منهما تجاه الآخر، إلا أن كل المؤشرات تسير باتجاه التصعيد.

من هذه المؤشرات إعلان السودان، إغلاق المعابر الحدودية مع إريتريا، استناداً إلى مرسوم من الرئيس السوداني، عمر البشير، صدر في 30 ديسمبر الماضي، بإعلان الطوارئ في ولاية كسلا (شرق) الحدودية مع إريتريا، ضمن ما تقول الخرطوم رسمياً إنها عملية لجمع السلاح، أطلقتها الحكومة قبل أربعة أشهر، ولكن مراقبون يرون أن لها علاقة بما قيل رسميا عن تهديدات مصرية.

وقال رئيس لجنة الإعلام في البرلمان السوداني، الطيب مصطفى، للأناضول، إن “حشوداً عسكرية مصرية-إريترية وصلت إلى حدود البلاد الشرقية، ضمن خطة لخلق توترات في المنطقة، إلى جانب دعم المتمردين في الحدود الجنوبية”.

وأضاف البرلماني السوداني: “لدينا معلومات مؤكدة بأمر الحشود، ودور مصر فيها، وأن مصر تتبنى استراتيجية إسرائيلية لإضعاف السودان، ومنع تطور” بحسب قوله.

مصر تدعم المتمردين

وتتهم الخرطوم مصر بدعم متمردين من دارفور ومتمردين من الحركة الشعبية الجنوبية وتصديرهم لشن هجمات على شرق السودان من جهة اريتري، وسبق للخرطوم أن أعلنت ضبط سيارات دفع رباعي واسلحة مصرية مع هؤلاء المتمردين وانتقد الرئيس البشير هذا الدعم من جانب السيسي للمتمردين، ونفت القاهرة ذلك ورجحت وصول هذه الأسلحة لهم من الانقلابي خليفه حفتر في ليبيا.

وتقاتل “الحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال”، منذ يونيو 2011، القوات الحكومية السودانية في ولايتي جنوب كردفان (جنوب-متاخمة لدولة جنوب السودان)، والنيل الأزرق (جنوب)، فيما تواجه القوات الحكومية، منذ عام 2003، ثلاث حركات مسلحة رئيسية في دارفور (غرب)، وهي: العدل والمساواة، بزعامة جبريل إبراهيم، وجيش تحرير السودان، بزعامة مني أركو مناوي، وتحرير السودان، بقيادة عبد الواحد نور.

وتتهم الخرطوم اريتريا أيضا باستضافة قواعد عسكرية إسرائيلية “دهلك”، وهو ما تنفيه إريتريا، وتقول إن تل ابيب تلعب في المنطقة منذ سنوات ضد السودان ولكن الجديد هو انتقال القاهرة للعمل ضد السودان أيضا من اريتريا.

وبالمقابل تتهم مصر السودان بإيواء إرهابيين وتدريبهم وتتهمها بدعم موقف إثيوبيا بشأن سد “النهضة” الإثيوبي، الذي تخشى مصرأن يؤثر على سلباً على حصتها السنوية، البالغة 55 مليار متر مكعب، من نهر النيل، المورد الرئيسي للمياه بالنسبة لها.

ولذلك أثارت زيارة أفورقي لمصر ولقاؤه السيسي ورئيس مخابراته تساؤلات سودانية حول الهدف من الزيارة خاصة عقب أنباء حشد قوات عسكرية مصرية على الحدود الإريترية السودانية.

وجاء استدعاء الخرطوم سفيرها لدى القاهرة، عبد المحمود عبد الحليم، للتشاور، ليدفع الي التكهن انه جاء على خلفية التحرك المصري على حدود البلاد الشرقية والجنوبية والخلاف حول حلايب وشلاتين وحملة الاعلام المصري علي الرئيس البشير بعد اسناده إدارة جزيرة سواكن قرب الحدود البحرية المصرية الي تركيا.

إذ تعتبر الخرطوم ان استقبال السيسي للرئيس الإرتيري بالقاهرة رسالة ضغط عليها وعلى اثيوبيا ومحاولة مصرية إماراتية لفرض تغييرات في منطقة البحر الأحمر بعد الدخول التركي لها عبر السودان، والضغط على الخرطوم كي تتوقف عن التصعيد في ملف حلايب وشلاتين.

إذ تحولت منطقة القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر لما يشبه ساحة صراع نفوذ جديدة تتداخل فيها خلافات دول المنطقة التقليدية مع المحاور المتنازعة في منطقة الشرق الأوسط بعدما دخلت تركيا على الخط ليصبح الصراع في المنطقة ساخنا بين إسرائيل ومصر واريتريا من جهة ضد السودان وتركيا وقطر من جهة ثانية.

وتخشي القاهرة أن تحول تركيا “سواكن” السودانية التي تقع قبالة مصر والسعودية الي قاعدة عسكرية لها علي البحر الأحمر تهدد مصالحها في ظل الخلافات الحالية بين السيسي واردوغان، لهذا يعتقد أن التحرك المصري والاماراتي في اريتريا يستهدف الرد او تهديد السودان بعمل عسكري علي حدودها الشرقية لو صحت هذه الانباء التي نفتها الخرطوم والرئيس التركي.

فهل قرر السيسي وحكام الامارات مناوشة الخرطوم من الشرق عبر الحدود الاريترية عبر دعم عسكري للمرتزقة من دارفور كنوع من المكايدة السياسية واضعاف السودان رغم أن من مصلحة الامن القومي المصري تقوية السودان لا إضعافه؟ وهل تتكامل بذلك الخطط المصرية الإماراتية في اريتريا مع الخطط الصهيونية المستمرة هناك منذ سنوات لإضعاف السودان في ظل التحالف الواضح بين السيسي وتل ابيب؟

رابط دائم