كتب محمد مصباح:

في دولة القهر والاستبداد يسعى الطغاة بجانب تأميم المجال العام من أحزاب وجمعيات خيرية ومراكز بحثية ومؤسسات تسارع أجهزة الاستخبارات التي تعمل لصالح شخص السفيه، وليس صالح الوطن أو الدولة أو المجتمع، لشراء كافة وسائل الإعلام الخاصة والمستقلة وإخضاعها لسيطرتها المفضوحة، فيما تلفزيون الدولة خرب وكذا صحف الحكومة خاسرة تعاني الفشل، وبأمس الحاجة لمليارات الاستخبارات للنهوض.

وفي الوقت الذي تعاني ميزانية مصر من العجز الذي يصل لأكثر من 100% تنفق المليارات على تأميم الإعلام، مع أن الأيسر والأسهل لنظام الطغاة أن ينفقوا تلك المليارات في تخفيف معاناة الشعب، وهو أجدر لنيل رضاه وتحصيل شعبية بين طبقاته المخرومة من كل شيء.

ولعل أخطر ما في قضية إسراف الجيش وأجهزته الأمنية في شراء وسائل الإعلام العاملة في مصر، أن توحيد الخطاب والسيطرة عليه من أجل تعويم "بلحة" الفاشل واستمرار تمكين العسكر من البلاد عبر الخداع والمعلومات المغلوطة التي تغيب الوعي وتسكن الألم الذي قد ينفجر دون توقع لتوقيته أو مسبباته الأخيرة!!!

وليس أدل على خيانة السيسي واستخباراته وأجهزته الأمنية من أن يتركوا الأجانب يسيطروا على 44% من أصول البلاد عبر السندات والقروض والديون المتراكمة، ثم يوجهون المليارات لشراء قنوات وصحف للتأثير على وعي الشعب، بما يقدح في أي حديث عن وطنية أو احترام شعب صاحب السلطة الحقيقية، التي كسروها بالإفقار والتجويع.

صفقة الحياة
ففي إطار خطتها الرامية للسيطرة على المنابر الإعلامية أتمت شركة "فالكون غروب"، التابعة للاستخبارات، صفقة شراء شبكة تلفزيون "الحياة"، بقيمة إجمالية بلغت مليارا و400 مليون جنيه، تسلمها مالكها رجل الأعمال السيد البدوي، أمس الثلاثاء، في جلسة جمعته برئيس الفضائية الجديد، المتحدث السابق للجيش المصري محمد سمير.

وقال بيان صادر عن الطرفين: إنه "جرى الاتفاق على شراء أسهم القناة بالكامل من شركة سيغما للإعلام المملوكة للبدوي، على أن يتسلم المالك الجديد استوديوهات القناة، ابتداءً من الأسبوع المقبل، في حضور رئيس مجلس إدارة فالكون غروب، الوكيل السابق لجهاز الاستخبارات الحربية اللواء شريف خالد".

ووصف الجانبان الصفقة بـ"الأضخم" في الوسط الإعلامي خلال السنوات الأخيرة، حسب البيان، الذي نقل عن البدوي قوله: إن "ديون القناة قد تخطت المليار جنيه، ولم تدر سوى 700 ألف جنيه فقط من العائدات الإعلانية عن رمضان الفائت، من إجمالي إيرادات بلغت 91 مليون جنيه خلال الشهر الكريم، وجهت لسداد مديونيات مستحقة على الفضائية".

فالكون من الأمن إلى الإعلام!
وفي يوليو الماضي أطلقت مجموعة فالكون للخدمات الأمنية شركة تحت اسم "تواصل" لإتمام صفقة البيع لصالحها، استكمالاً لخطة الاستخبارات للتوسع إعلامياً، بعد أن أطلقت الشركة الأم إذاعة (دي آر إن)، ومنحت إدارتها لشركة "هوم ميديا"، التابعة لها، إضافة إلى شرائها شبكة تلفزيون "العاصمة" من البرلماني سعيد حساسين.

وتضم فالكون نحو 15 ألفًا من العناصر الأمنية، يشرف عليهم ضباط جيش وشرطة واستخبارات سابقين، وتتولّى تأمين بعض السفارات الأجنبية بالقاهرة مثل السعودية والكويتية، ومقار شركات "بالم هيلز، وموبينيل، وبيبسي، وكوكاكولا"، علاوة على مشاركتها في تأمين مطار القاهرة الجوي، ومشروع قناة السويس.

ويسعى عبدالفتاح السيسي جاهدًا نحو عسكرة وسائل الإعلام، من خلال ضخ أذرعه الاستخباراتية المليارات من أموال المصريين للاستحواذ عليها، في أعقاب تدشين مجموعة قنوات (دي إم سي)، بتكلفة مبدئية بلغت 800 مليون جنيه، تحت إدارة ضابط الاستخبارات السابق طارق إسماعيل، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية خانقة.

امبراطورية Dmc
وفي السياق نفسه يجري حاليا التفاوض من أجل بيع صحيفة "الشروق" الخاصة، لقناة "دي إم سي" التي يملكها جهاز المخابرات من الباطن، وبيع صحيفة "الأسبوع" لرجل الأعمال المصري أحمد أبوهشيمة، وهو مالك مجموعة إعلام المصريين، فضلاً عن تداول أنباء عن بيع صحيفة "المصري اليوم" لم تتضح بعد.

وفي حال إتمام صفقات بيع الصحف الخاصة الثلاث، تكتمل خارطة النظام الإعلامية التي بدأت ملامحها تتشكل خلال السنوات القليلة الماضية، بعد التحالفات الإعلامية الكبرى وعمليات الدمج بين القنوات والصحف لصالح حزمة رجال أعمال موالين للسلطة، يسيطرون على سوق الإعلام في مصر بشكل كامل الآن.

وفي يناير الماضي انطلقت مجموعة قنوات "دي إم سي" الفضائية الخاصة، المملوكة لرجل الأعمال طارق إسماعيل، بدعم خفي من المخابرات الحربية، إذ يشارك في تمويل تلك القنوات ياسر سليم، ضابط المخابرات السابق، والذي يملك موقع "دوت مصر" مع رجل الأعمال أحمد أبوهشيمة. ويتولى رئاسة مجموعة قنوات "دي إم سي" الصحفي ورئيس تحرير صحيفة "الوطن" محمود مسلّم.

وبذلك تتبلور رؤية السيسي لمنظومة الإعلام التي يرتضيها، وهو ما عبّر عنه صراحة حين قال "عبدالناصر كان محظوظًا لأن الإعلام كان وراءه"، أو بشكل غير مباشر، عندما أذيع تسريب صوتي منسوب له يتحدث فيه عن "أذرع إعلامية ممتدة تخدم مصالحه".

قمع الحقيقة
وخلال الأربع سنوات الماضية سادت حالة من التوحد الشديد بين الإعلاميين ورؤساء التحرير الموالين للسلطة، بالنظام ورأسه، مرورًا بإطلاق التحذيرات والتهديدات بين الحين والآخر، وصولًا للمصادرة والمنع والحجب، الذي طاول الجميع، بمن فيهم الموالون.

فيما تفاقمت أزمات الصحفيين، حيث دخل نحو 300 صحفي السجون وأقسام الحجز لمدد متفاوتة بين احتجاز مؤقت وحبس احتياطي وحبس حكمي، ظل منهم نحو 100 صحفي ومصور حتى الآن، بعضهم قضى نحو 4 سنوات من الحبس، وبعضهم تجاوز مدة الحبس الاحتياطي التي يقدرها القانون بسنتين كحد أقصى ولم يفرج عنهم، ولم توجَّه لهم اتهامات جدية، وبعضهم يعاني أمراضًا فتّاكة في محبسهم، وترفض إدارات السجون نقلهم للعلاج خارج السجون، ولو على نفقتهم الشخصية، حسب تقرير لمرصد صحفيون ضد التعذيب.

طرف المعادلة = التغييب
ولعل أبرز النتائج المتوقعة في ظل سيطرة المخابرات على الإعلام هو غياب الحديث عن أية مشاكل يواجهها المواطن، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة ضد أعداء الوطن، بجانب عودة أحمد سعيد ونموذجها الكارثي في تغييب وعي الشعب المصري إبان نكسة 1967. 

رابط دائم