“بسم الله الرحمن الرحيم.. أيها المواطنون، فى ظل هذه الظروف العصيبة التى تمر بها البلاد قرر الرئيس محمد حسنى مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد. والله الموفق والمستعان”.. كانت تلك الكلمات في الحادي عشر من فبراير 2011 هي نهاية عصر مبارك، حيث جاءت على لسان اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية آنذاك، ليعلن بها تنحي مبارك وانتهاء عصر طالما حلم الكثير من المصريين أن يزول من أمام أعينهم.

ومثلت هذه العبارة فرحة لجميع المصريين فى الميادين، حيث شعر المصريون بأولى نسمات الحرية مع هذه الكلمات، وخرجت جموع المواطنين فى فرحة غامرة محتفلة بـ”انتصار” الثورة المصرية ونجاحها فى “إسقاط” مبارك.

إلا أن تلك الفرحة لم تدم، مع بداية عمل الدولة العميقة وقيادات العسكر على إعادة إنتاج نظام مبارك القمعي بصورة أشد قسوة وقمعا، مستخدمين استراتيجية الثورة المضادة، لحرق قوى الثورة والانتقام من الششعب الذي ثار على مبارك..

لماذا وافق الجيش على خلع مبارك؟

بجانب ثورة الشعب واحداثه مفاجأة كبيرة على كافة المستويات السياسية والعالمية والمخلية، وكسره حاجز الخوف، كان للعسكر معادلة خاصة بهم في التعاطي مع مبارك والثورة الشعبية؛ حيث كانت خلافات مكتومة داخل صدور العساكر وقيادات الجيش، بقيادة المشير حسين طنطاوي، ازاء اعتماد مبارك في سيطرته على مقاليدد الأمور في البلاد على الداخلية وأجهزتها الامنية المخالفة وتهميش مؤسسة الجيش وتقليص استثماراتها الاقتصادية بعض الشيء مقابل نفوذ أكبر لرجال الاعمال والفئة الضيقة المحيطة بجمال مبارك، وهي التي تقود عملية التوريث، وهو ما يعتبره قيادات العسكر ضربة قوية ونهائية لمستقبل العسكر في حكم مصر والممتد منذ انقلاب يوليو 1952، وهو ما كان يرفضه طنطاوي وفريقه، الذي كان على خلاف واضح مع أجهزة مبارك كالمخابرات العامة التي كان يقودها عمر سليمان.. ومن ثم جاءت اللحظة الفارقة والفرصة السانحة للجيش بخلع مبارك، واعلانه من اللحظة الثانية من قيام ثورة الشعب في 25 يناير انحيازه للشعب في ثورته.

وبحسب مراقبين فان تعيين مبارك لعمر سليمان نائبا له واعطائه صلاحيات واسعة ، قد أغضب طنطاوي وعساكره، الذين ردوا على بيان مبارك قبل الاخير، بعقد مجلس عسكري على أعلى المستويات، مطالبين مبارك للاستجابة لجموع الشعب ، وتم الترتيب لانهاء حكم مبارك، عبر السماح لبعض الثوار من الاتجاة نحو القصور الرئاسية، وهو ما فهمه مبارك بان اللحظة قد جاءت، وسعى طنطاوي لعدم اظهار الجيش بانه ينقلب على مبارك، فحمل عمر سليمان على اعلان بيان التنحي بنفسه كنائب لمبارك، معلنا تكليف المجلس الاعلى للقوات المسلحة بادارة شئون البلاد، وهو ما تم تجاهله مع نشوة الانتصار الشعبي بازاحة حكم مبارك.

وسبق للدكتور محمد مرسي في اجتماع القوى السياسية مع المجلس العسكري يوم الاربعاء قبيل التنحي بيومين، وأن حذر منه، حيث طالب أن يتم اسناد مقاليد الحكم في الفترة القضائية للقضاة، بتكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا بادارة شئون البلاد ..وهو ما يبدو أنه كان خطا احمر للجيش، وهو سر الانتقام الكبير من الرئيس مرسي لاحقا..
7 سنوات

ومع استمرار مؤامرات العسكر على كل الشعب المصري، ورغم السنوات السبع التي تلت خلع مبارك، عادت الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والسياسية إلى أسوأ مما كانت عليه قبلها. حيث القمع السياسي والفساد الاقتصادي الذي كان يمارسه رجال اعمال جمال مبارك، عاد بقوة من خلال النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية..

كما ظلت الصراعات الحاكمة في عهد مبارك، وامتدت في ظل حكم السيسي، ولعل ما شهدته الساحة السياسية على مدار الشهرين الماضيين من تصاعد غير مسبوق للصراع بين دائرة السيسي التي باتت تتحكم بشكل إداري كامل في الجيش والمخابرات الحربية والأجهزة الرقابية والقضاء والإعلام والشرطة، وبين دوائر مناوئة تنشط بشكل أساسي في المخابرات العامة وجهاز الأمن الوطني، فضلاً عن وجود روابط خفية بينها وبين شخصيات ودوائر أخرى في كل الأجهزة التي يتحكم فيها السيسي.

وبلغ التصعيد الأخير ذروته بصدور قرار مفاجئ من السيسي بإقصاء مدير المخابرات خالد فوزي، الذي اختاره بنفسه قبل 3 سنوات، وتكليف مدير مكتبه عباس كامل بإدارة الجهاز لأجل غير مسمى لحين إيجاد شخصية قوية من أبناء المخابرات العامة أو الجيش لإدارته بالصورة التي تريح السيسي، أي تضمن تطهير الجهاز من تلك الدوائر المناوئة التي أجرت اتصالات بشخصيتين عسكريتين لدعمهما للترشح للرئاسة، هما رئيس الوزراء الأسبق أحمد شفيق ورئيس أركان الجيش الأسبق سامي عنان. كما تواصلت تلك الدوائر مع معارضي السيسي عند صدور قرارات مفصلية كالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، فضلاً عن استغلال علاقاتها لتوجيه وسائل الإعلام لتناول مواضيع لا يرغب السيسي في إثارتها.

الخرق الداخلي في نسيج نظام ما بعد انقلاب 2013، يحمّله السيسي بشكل كامل للمجموعات التابعة لمدير المخابرات العتيد ونائب رئيس الجمهورية الأسبق عمر سليمان، الذي كان في 10 فبراير 2011، عشية خلع مبارك، المرشح الأول نظريًا وعمليًا لرئاسة الجمهورية بعد مبارك، لا سيما بعد إعلان الأخير في خطابه الشهير ذلك اليوم أنه سيغادر منصبه في نهاية فترته الرئاسية في سبتمبر 2011، وسيسمح بانتخابات تعددية ديمقراطية بعد تعديلات دستورية تزيل آثار تعديلات 2007 التي كانت تمهد لتوريث السلطة لنجله جمال.

جمال مبارك ورفاقه من رجال الأعمال والوزراء الأثرياء، كانوا في نظر وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي، وكذلك في نظر عمر سليمان، “شوية عيال هيودوا البلد في داهية”.

وكما كان مبارك، يكرر السيسي نفس سياساته بحرث الساحة السياسية من كل قواها الحية بالمعتقلات والاغتيالات السياسية والمعنوية ، لدرجة اعجاز كافة منافسيه على خوض مسرحية انتخابه مجددا في 2018، ثم البحث عن محلل كومبارس، واعتقال كافة من يجرؤ على منافسته…وتكراره انه لن يسمح لأحد من الوصول لكرسيه، سواء كان من “الأشرار” من الاخوان المسلمين! او من الفاسدين “عنان”!! وهو ما يتوافق مع مقولة مبارك عقب انتخابات البرلكمان الاخير في عهده في نهاية 2010 وقبل شهرين من ثورة 25 يناير “خليهم يتسللوا”….تلك المقولة التي لا يكاد يطبقها حتى قمع السيسي باحالته جميع من يتحدث عن الانتخابات الهزلية المقبلة لمخكمة أمن الدولة العليا، كما يجري اليوم باحالة المئات من التيار المدني لنيابة امن الدولة العليا…ومن قبلها ماولة اغتيال هشام جنينة لمجرد دعمه ترشح سامي عنان.

تلك الأجواء تتشابه لحد بعيد مع الأيام الاخيرة في حكم مبارك، وهو ما يراه مراقبون يمهد لازاحة السيسي في ثورة شعبية ، تقتلع العساكر من الحكم.

وهو ما يظل ممكنا ، وليس مستبعدا حتى وان تطاول قمع السيسي، فالقوة الشبابية هي التي ستجبر الجميع على سماع صوتها، في حال توحدت كل القوى السياسية وتجمعت حول هدف انهاء ححكم العسكر، لا مكما يفعل بعض العاجزين من تجميل صورة السيسي ونظامه القمعي بمحاولات لاطلاق مبادرات سياسية جرى الاجتماع حولها في حزب الوفد مساء السبت.

رابط دائم