استهل قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي حلول عيد الفطر، بتجديد الحديث عن بشريات الفقر والجوع التي يتوعد بها الشعب المصري، كعادته في أي مناسبة يخرج بها للحديث مع المواطنين، الذين انحنت ظهورهم جراء الزيادات المتتالية وتوابعها، والتي ارتفعت بنسب غير مسبوقة وصلت إلى 250% خلال الإعلان عن كل زيادة في رفع أسعار السلع الاستراتيجية أو فواتير المرافق.

يبشر بالفقر بزعم محاربة الدعم

وبالرغم من الحالة المعيشية التي انهارت للمصريين، والوعود الكاذبة التي يستخدمها السيسي كمسكنات في وقت الغضب، خرج السيسي أمس ليدعو الشعب المصري بكل أطيافه وفئاته إلى الوقوف على خط واحد لمواجهة التحديات والمصاعب الاقتصادية التي تمر بها الدولة المصرية، قائلا: “إن كل هذه التحديات والمصاعب تصبح أمرا سهلا ويسيرا في حالة تحمل المصريين هذه الظروف التي تمر بها الدولة المصرية”.

ولم يذكر السيسي المدة التي على المصريين أن يتحملوا فيها، رغم وعوده في بداية حكمه الانقلابي، بستة شهور مرة، وسنة مرة أخرى، ومع ذلك وبالرغم من رفع الدعم نهائيا، ورفع الأسعار بشكل جنوني، إلا أنه ما زال يبشر بالفقر والجوع.

كما زعم السيسي أن الدولة تقدم مختلف أنواع الدعم من خبز ووقود أو غاز أو كهرباء، مشيرا إلى أن ميزانية الدولة تتحمل سنويا 332 مليار جنيه كدعم سنوي بخلاف ما تتحمله من أجور للعاملين بالدولة، وأن هذه الدعم هو عبارة عن الفرق بين التكلفة والسعر الذي يدفعه المواطن.

وادعى أن الدولة تدعم الأسرة شهريا بما قيمته 1000 جنيه، من بينها دعم الخبز بنحو 3 جنيهات يوميا للمواطن الواحد، ودعم يصل إلى 260 جنيها في صورة أنبوبتي بوتاجاز لكل أسرة، ودعم بطاقة التموين بنحو 200 جنيه شهريا لأسرة مكونة من 4 أفراد، ودعم الشريحة الأولى من استهلاك الكهرباء وحدها بنحو 70 جنيها لا يدفع منها المواطن سوى 12 جنيها.

انتشار الفقر والمرض

وردَّ الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق- في مقال سابق- على إذلال السيسي للمصريين بالدعم، لافتا إلى أن زيادة الأعباء على الأسر المصرية من ارتفاع أسعار ومشكلات تعليمية وصحية وغيرها، وكذلك تفشى الأمراض، ونقل عبء العلاج فى معظمه على الأفراد والأسر والمرضى أنفسهم، كل هذا يؤدى إلى إدخال فئات متزايدة إلى دائرة الفقر والفقراء. وقال إن أعداد المستفيدين من معاش الضمان الاجتماعى- وهم أدنى الفئات حرمانًا- قد زاد من 141.2 ألف شخص عام (1990/1991) إلى 800 ألف عام (2000/2001) ثم إلى 1.3 مليون مستفيد عام (2007/2008)، وهو الآن يقترب من 2 مليون أسرة، بما يؤكد أن أعداد الفقراء فقرًا مدقعًا يتزايدون عامًا بعد آخر ولا يتناقصون، خاصة إذا عرفنا أن إجمالى المبالغ المصروفة من الموازنة العامة عام 2007/2008 لهؤلاء لم يزد على مليار جنيه، وبالتالى فمتوسط ما يخص صاحب المعاش الواحد لم يزد على 64,0 جنيها شهريا. وهم الآن يقاربون 2 مليون مستفيد، كما زاد المبلغ المخصص للمستفيد إلى أكثر من 400 جنيه وذلك فى عام 2014.

كما أن معدلات من يقعون تحت «خط الفقر»- المقدر بدولارين يوميا للفرد- يتراوحون بين 21.6٪ من إجمالى سكان مصر (أى حوالى 27.0 مليون مواطن)، فى تقدير تقرير التنمية البشرية الأخير لعام (2010)، بينما تشير مصادر ودراسات أخرى إلى أن هذه النسبة تزيد على 43٪ من إجمالى السكان فى مصر، بينما الذين يقعون فى دائرة الفقر المدقع يصلون إلى 20٪ من سكان مصر.

وفي هذا التقرير نرد على عبد الفتاح السيسي، الذي ما زال يزعم أن الدولة تدعم المواطن بأكثر من 300 مليار جنيه، رغم رفع سعر الكهرباء والوقود والمواصلات، حتى وصلت تذكرة مترو الأنفاق من جنيه واحد لسبعة جنيهات في 4 سنوات فقط.

ما هو الدعم؟

الدعم الحكومي مساعدة مالية ترصدها الدولة لدعم قطاعات إنتاجية أو خدمات لها طبيعة حيوية لكنها محدودة المردودية، ومن أهدافه كذلك توفير مواد استهلاكية أساسية أسعارها ليست في متناول الفئات الاجتماعية الأقل دخلا عبر صندوق يسدد الفارق بين سعر البيع والسعر الحقيقي للسلع.

ويهدف الدعم الحكومي إلى التصدي لخلل آني في قطاع إنتاجي تعرض لهزة فجائية، فحين ترتفع أسعار المواد الأولية لقطاعٍ إنتاجي حيوي تتدخل الدولة لتثبيت الأسعار وإبقائها في متناول المستهلك والمنتج على حد سواء.

والهدف من الدعم الحكومي هو تمكين الفئات الأقل دخلا من الحصول على السلع والخدمات الأساسية عبر خفض أسعارها وفقَ آلية تقوم على تسديد خزينة الدولة للفارق بين السعر الحقيقي للمنتج أو الخدمة والسعر الذي يُحدد له باعتبار مستويات الدخل الدنيا، ويُسمى هذا النوع من الدعم بالدعم المباشر.

ليس هدفا في ذاته

والدعم الحكومي ليس هدفا لذاته وإنما هو آلية لحفظ التوازنات الاجتماعية كمدخلٍ أولي إلى تقليص الفوارق في الدخل بما يمكّن من الانتعاش الاقتصادي الشامل وتقارب مستويات الدخل لدى أغلب الفئات الاجتماعية المتوسطة والقليلة الدخل.

وكان هدف حكومة الانقلاب المعلن هو السعي إلى الحصول على قرض صندوق النقد الدولي البالغ 12 مليار دولار، وتطبيق خطة رفع الدعم، دون أن يمس محدودي الدخل أعباء هذه الخطة، لكن ما حدث هو أن حكومة الانقلاب اتخذت قرارات تقشفية كثيرة خلال الأشهر التسعة الماضية، وذلك في ظل ثبات الأجور، إذ استهدفت رفع الدعم عن كل شيء وبشكل متسارع وبصورة غير مسبوقة؛ مما جعل من الصعوبة بمكان انتظار أي تحسن للأوضاع المعيشية للمصريين، سواء على المدى القصير أو المتوسط.

ارتفاع رهيب في الأسعار

وبالنظر إلى القرارات الأخيرة فقط، فإن معدل رفع الدعم في مصر وصل إلى معدلات قياسية، ففي يوليو الماضي قررت حكومة الانقلاب رفع سعر السكر والزيت بنسبة 25% و17% على التوالي، ببطاقات التموين، ليرتفع بذلك سعر كيلو السكر ببطاقة التموين إلى عشرة جنيهات، وسعر زجاجة الزيت إلى 14 جنيهًا، ثم جاء الدور على أسعار الوقود؛ إذ أعلن مجلس وزراء الانقلاب عن رفع أسعار المواد البترولية للمرة الثانية منذ التعويم بنسب تصل إلى 100%، ولم تمر أيام حتى أعلنت وزارة الكهرباء رفع أسعار الكهرباء بنسبة 25%.

ويقول السيسي: إن قيمة دعم رغيف الخبز وصلت إلى 55 قرشًا، فيما ينظر إلى دعم الخبز على أنه حماية للفقراء، إذ أن دعم الخبز يساهم في رفع مستوى معيشة الملايين من المصريين، ويحول دون وقوع ملايين منهم في الفقر وما دونه.

والآن، هل ترى أن ما تحصل عليه من السيسي الذي يتعمد إذلال المصريين هو دعم حقيقي، أم دعم وهمي يبتز من خلاله السيسي الغلابة لكسر ظهورهم والعمل على إفقارهم؟.

رابط دائم