دماء الشهداء في رابعة والنهضة وجميع ميادين مصر ستظل لعنة تطارد الانقلابيين حتى حتفهم، فقر وقمع وغلاء وبلاء ففي أسبوع واحد ينقلب قطار الصعيد المتجه إلى قنا في البدرشين، وقبلها ينفجر مصنع هليوبلس الحربي المجاور لمطار القاهرة، وقبلها ينقلب المترو من على قضبان محطة غمرة، وقبلها يتم العثور على جثث أطفال المريوطية الثلاثة مذبوحين ومنتزع أحشائهم في الهرم، بينما يتم هروب مدير بنك الـCIB بالإسكندرية بعدما سرق180 مليون جنيه من أموال المودعين.

ضحايا فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة والحرس الجمهوري، أكبر مذابح ارتكبتها قوات الانقلاب من الجيش والشرطة ضد مدنيين في تاريخ مصر، والتي عدها العالم جريمة ضد الإنسانيّة، خاصة أنه لم يُفتح حتى الآن، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على المذبحة، أي تحقيق فيها، ولم يُقدَّم متّهم واحد للمحاكمة.
خمسة أعوام، وما زال الحق غائبا، وما زال العدل أخرس، وما زالت الدماء تلطخ الجدران وبقايا الضمائر، خمسة أعوام وما زال القتلة أحرارا، بل تم ترقيتهم من قبل سفاح القرن عبد الفتاح السيسى.

في يوم 14 أغسطس 2013 انقسم الشعب إلى أُناسٍ من البشر، وآخرين من آكلي لحوم البشر مجزرة صب فيها الجيش النار على آلاف المعتصمين في ميدان رابعة العدوية، فيهم النساء والأطفال والشيوخ، فأثخن قتلا وحرقا وعاث فسادا ودمارا حتى ضج الميدان واختلط الأموات بالأحياء، وحُرّقت الجثث وتطايرت الأشلاء وضاعت الهويات، وغصت المستشفيات والمشارح.

أكبر مقتلة جماعية

وقد وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش المذبحة بأنها “إحدى أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين سلميين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث”، وبدأت الأحداث تترى متسارعة بعد انقلاب 3 يوليو 2013، فانطلقت مظاهرات منددة بالانقلاب وأهله، وأخرى مرحبة مؤيدة، ولكن ميدان رابعة والنهضة وغيرهما من معاقل الرافضين للانقلاب كانت تستحوذ على اهتمام وسائل الإعلام العالمية، وكانت سلطة الانقلاب ضيقة الصدر تتربص بكل من يعارض الانقلاب أو يناوئ الحكم الجديد.

اتُّهم المعتصمون في ميدان رابعة بحيازة الأسلحة، وبترويع الآمنين ومضايقة السكان، وأجمع الملأ من قوم الانقلاب على فض الاعتصام، وارتفعت أصوات أمنية وإعلامية تنادي بإدة المعتصمين، فكان ما كان فى رابعة كان الدم يجري على الأرض كالماء، هناك كان العسكر والشرطة يجرفون الجثث الطاهرة، مشاهد لها في النفس مكان لن ينسى سيكتب التاريخ أن مصريًا قتل مصريًا بدم بارد، وكان هناك مصريًا يرقص ويهلل للقتل، ومصريًا آخر يتاجر بالقتل، ومصريًا ثالث وقف ساكتًا عاجزًا.

ولم تكن جثث الضحايا التي تكدست بعد الفض على جوانب بعض الطرقات أو في ساحات بعض المساجد سوى إشعار بائس بكون جرائم القتل خارج القانون وتوابعها المتمثلة في جرائم الاختفاء القسري والتعذيب وسلب الحرية لأسباب سياسية ستصير أدوات اعتيادية توظفها السلطة العسكرية الحاكمة لتصفية معارضيها ولإخضاع المواطن والسيطرة على مصر.

جدار الزيف

لم يحدث فى تاريخ الإنسانية في العالم، أن يتم فرض جدار من الزيف العلني بشأن ما حدث في مجازر رابعة والنهضة والحرس الجمهورى بأقل كارثية من إراقة الدماء، استخدم العسكر حملة اعلامية غير مسبوقة من اعلام جبلاية القرود التى يمتلكها والخائفين من قمعهم في الفضاء العام لإنكار المذبحة عبر إلصاق جرائم حمل السلاح وممارسة العنف بالضحايا وتصنيفهم جميعا كإرهابيين معتمدين أو محتملين، عبر تصوير القتل خارج القانون كدفاع شرعي عن النفس، ومن ثم تبرئة الجزارين الكبار الذين صدر من مواقعهم التنفيذية الأمر بالفض الجزارين الصغار الذين نفذوا الأمر على أرض خضبتها الدماء.

وحين ظهرت فى الأفق أن عدسات أخرى غير عدسات الجيش والشرطة وثقت للمذبحة وللعديد من تفاصيلها البشعة وحين توالت التقارير المستقلة التي أظهرت أن الادعاءات الرسمية عن الدفاع الشرعي عن النفس مجرد غش وتدليس ونفت العنف عن الأغلبية الساحقة من الضحايا، استخدم العسكر أذرعهم الإعلامية من جبلاية القرود الإعلامية التي إعتادت على امتهان الحقيقة ومعاداة العقل وتزييف الوعي تارة للتبرير الإجرامي للمذبحة كضرورة وطنية فرضتها الحرب على الإرهاب وتارة للاستخفاف الإجرامي أيضا بمصاب الضحايا وآلام ذويهم.

الأذرع الإعلامية للسلطة المدبرة للإنقلاب سخرت كل طاقاتها ومساحاتها الجماعية فقط لنزع كل قيمة إنسانية ووطنية عن جماعات الإسلام السياسى ومنهم الإخوان المسلمين والمتعاطفين معهم، بل بكل إصرار لتشويه الأصوات القليلة التي ارتفعت في بعض هوامش الفضاء العام لتدين الخروج على الإجراءات الديمقراطية وترفض عودة المكون العسكري الأمني للحكم وتقاوم الصمت على إراقة الدماء.

هستيريا الانتقام

لعبت هيستيريا الكراهية والانتقام ونزع الإنسانية عن الإسلاميين بالعقول وعطلت الضمائر فوصلنا إلى الإعلان الفاشي بأغنية انتو شعب واحنا شعب، وبلغ التشويه مبلغ الهيمنة الكاملة على الفضاء العام فاستحالت الأصوات القليلة المدافعة عن الحقوق والحريات إلى خونة وعملاء ومتآمرين ضد المصالح الوطنية وعناصر طابور خامس.

إن حرمة دماء الإنسان لكبيرة من الكبائر ولعنه مزلزلة ومدمرة؛ ما أحد اقترب منها وسفكها إلا دمرته ومزقته ومن معه، اقرءوا التاريخ إن شئتم قديماً أو حديثاً عندنا نحن المسلمون أو عند غيرنا من دول العالم ، فما من ملك او حاكم عسكري دكتاتوري أو حتى شيخ من شيوخ السلاطين او كاهن وما أكثرهم من سحرة تتطاول على الدماء وحرمتها إلا وأهلكته، منذ بدء الخليقة مروراً بأبرهة وهولاكو وهتلر وموسولينى وشاه إيران وعبد الناصر والسفيه السيسي, التاريخ حافل بسفاكي الدم ومدمني القتل ؛أهلكهم الدم بحرمته ومزقهم بلعنته سنن التاريخ التي لا تتغير ولا تتبدل ولا تحابي أحداً “ولن تجد لسنة الله تبديلاً ”.

رابط دائم