تسبب توجّه السادات المتفرّد نحو الانبطاح تحت أقدام إسرائيل بحالة رفض وسخط في أوساط الدبلوماسيين والنخبة السياسية في مصر وقتها، خاصةً قبيل زيارته الأراضي المحتلة لإلقاء خطابه الشهير في الكنسيت في 19 نوفمبر 1977، وقبيل التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978، في ذلك الوقت حدثت معركة هادئة ولكنها حامية الوطيس بين السادات ومعارضيه نتجت عنها استقالة عدة وزراء منهم وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل.

قبل يوم من توقيع اتفاقية كامب ديفيد، استقال وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل وكتب لاحقاً أن تصرّفات السادات حيّرته ومن الفرضيات التي خطرت على باله لتفسيرها “أن يكون في حالة انهيار تام سلبه إرادته، أو أن تكون التكنولوجيا الأمريكية قد نجحت في السيطرة عليه وتوجيهه مغناطيسياً”.

وكتب إسماعيل فهمي الذي استقال من منصبه كوزير للخارجية قبل يومين من زيارة السادات لإسرائيل أن الأخير لم يتحدث أبداً قبل زيارته عن “نظرية الحاجز النفسي” التي تشير إلى رغبته في إزالة الحاجز النفسي بين العرب وإسرائيل، ولكن الصحف كتبتها وأعجبته.

سلام منفرد

برأي المراقبين، كان يبدو أن هدف السادات هو التوصل إلى سلام منفرد، وذهب إلى كيان العدو الصهيوني بهذه النية، على خلفية سعيه إلى تغطية مشاكل ظهرت خلال حكمه لمصر، مثل مشكلة انتفاضة يناير 1974 المعروفة بـ”انتفاضة الخبز” والتي اشتعلت بسبب موجة الغلاء، وكادت تودي بشرعية نظامه، و”أراد تلميع صورته أمام الشعب وأمام العالم لتدعيم حكمه ولكنه زلزل العالم العربي بدلاً من ذلك”.

بعد فشل تعيين محمد رياض، استمر مقعد وزير الخارجية شاغراً لفترة من الزمن، وقال عمرو موسى في مذكراته بعنوان “كتابيه” إنه في 25 ديسمبر 1977 تم تعيين السفير محمد إبراهيم كامل وزيراً للخارجية، و”هو المنصب الذى ظل شاغراً منذ استقالة إسماعيل فهمي”.

يروي السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن تلك الفترة كانت فترة مشحونة بسبب الاختلاف مع السادات حول السلام مع إسرائيل، وكان موقف السادات سبباً في عدم وجود دبلوماسي يقبل بكرسي الوزارة، ولكن تمت تغطية هذا الأمر بصورة مؤقتة من خلال تكليف رئيس الوزراء مصطفى خليل بالقيام بأعمال وزارة الخارجية خلال تلك الفترة، كما تم تعيين بطرس غالي في ما بعد ليكون وزير دولة للشؤون الخارجية.

انتهى الفراغ بتعيين محمد إبراهيم كامل وزيراً للخارجية، ولكن ظهرت أزمة جديدة بعد استقالته هو الآخر في 16 سبتمبر 1978، قبل توقيع اتفاقية كامب ديفيد بيوم، وبعد أقل من عشرة شهور على تقلده المنصب، يتحدث محمد إبراهيم كامل عن استقالته في كتابه “السلام الضائع في اتفاقية كامب ديفيد” ويقول: “وصلت إلى نهاية المطاف ولا بد من اتخاذ قرار حاسم بالنسبة لموقفي من السادات، فقد استنفدت كل جهدي وبذلك أكثر من طاقتي في محاولة الحفاظ على موقفنا من التآكل”.

وعن المشكلة التي دفعته إلى اتخاذ هذا القرار، كتب: “المشكلة ليست في الموقف الإسرائيلي المتشدد ولا الخنوع الأمريكي لإسرائيل وإنما المشكلة الحقيقية في الرئيس السادات نفسه فقد استسلم للرئيس كارتر تماماً بينما استسلم الأخير بدوره لمناحم بيغن”.

أصيب بالجنون

وأضاف محمد إبراهيم كامل: “إن أي اتفاقية ستبرم في نهاية الأمر على هذا الأساس ستكون كارثة على مصر وعلى الشعب الفلسطيني وعلى الأمة العربية جميعاً، وقد حرت تماماً في تفسير مزاجه وسلوكه وتصرفاته غير المفهومة وانتهى تفكيري إلى أنه إما أن يكون في حالة انهيار تام سلبه إرادته، أو أن تكون التكنولوجيا الأمريكية قد نجحت في السيطرة عليه وتوجيهه مغناطيسياً، وإما أن يكون قد أصيب بالجنون والعمى أو أن يكون قد قبل أن يلعب دور كويسلنغ في منطقة الشرق الأوسط، واختار، ويعلم الله منذ متى، أن يكون عامل الولايات المتحدة في الانحراف بمصر نحو الانضمام إلى حلف استراتيجي أمريكي إسرائيلي مصري”.

وتابع: “ما قبِل به السادات بعيد جداً عن السلام العادل”، واصفاً اتفاقية كامب ديفيد بأنها “مذبحة التنازلات”. وقال السفير رخا أحمد حسن، الذي زامل محمد إبراهيم كامل في العمل في سفارة مصر في بون بألمانيا، لرصيف22 إن “السادات رجل داهية ولكنه كان متسرعاً ومتساهلاً وشخصية لا تقبل النقاش، خاصة مع عدم تقبله للنقاش مع وزير الخارجية حول قراره الخاص بالتصالح في منتجع كامب ديفيد”.

وأضاف أن “السادات طرد الوفد الدبلوماسي الذي رفض الاتفاقية في إحدى جلسات النقاش المشتركة من حجرته في كامب ديفيد وهو ما أثار غضب الوفد وكان هذا الوفد يضم حسن كامل وبطرس غالي وأشرف غربال وحسن التهامي وكان معهم محمد إبراهيم كامل الذي غضب وكان ذلك بداية تفكيره في الاستقالة”.

وتابع أن الوزير المستقيل كان رجلاً ذا خلفية قانونية ودبلوماسية قوية، وكان يرى أن السادات متساهل بصورة كبيرة مع بيغن وكارتر، “فالسلام لم يراعِ القضية الفلسطينية إذ لم يضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من قطاع غزة والضفة الغربية، ولم يكفل حق الفلسطينيين في تقرير المصير بل تمسك بيغن بالأرض المحتلة وهو ما كان يخالف القانون الدولي وقرار مجلس الأمن 242 بالانسحاب من الأراضي المحتلة”.

واعتبر أيضاً أن “قرار السادات لم يراعِ باقي الدول العربية الحليفة لمصر، ما سبب مشاكل كثيرة معها خلال حملة المقاطعة العربية التي واجهت مصر، وتم لاحقاً نقل مقر جامعة الدول العربية إلى تونس”، وبرأيه، كان كامل يتوقّع هذا المسار وهو ما دفعه إلى الاستقالة قبل يوم من توقيع الاتفاقية، بعد أن استمر في منصبه تسعة أشهر و27 يوماً.

Facebook Comments