تحل هذه الأيام ذكرى استشهاد المجاهد الكبير الداعية المفكر الأديب سيد قطب؛ لتثير الأسى في صدور الأحرار لما جناه العسكر -ولا يزالون- في حق هذا الرجل وفى حق إخوانه وقد كان شنقه ومعه الأخوان (محمد يوسف هواش، عبد الفتاح إسماعيل) آخر محطة في قضية 1965 والتى بدأت قبل عام كامل من قتل الثلاثة الأطهار.

إذ بعدما احتوت سجون عبد الناصر جماعة الإخوان عن بكرة أبيها بعد أكتوبر 1954م، انفرد الهالك بحكم مصر وقال للشعب: ليس لكم إله غيرى.. وظن الناس ألا عودة للإخوان وشُعبهم وجهادهم، وظن الإخوان أنفسهم -من داخل السجون- أن الإسلام نفسه قد تم استئصاله على يد الديكتاتور ونظامه العلمانى التابع لأعداء الإسلام والمسلمين.. وبينما الحال هكذا تم الإعلان عن تنظيم جديد للإخوان بزعامة الشهيد سيد قطب.

لقد دارت رحى التعذيب، منذ أن أمسكوا بأول خيط للتنظيم، فلم تتوقف حتى هلك الزعيم.. وسيق الذين آمنوا إلى السجن الحربى، فرادى وجماعات، وكان النظام المستبد قد اكتسب خبرات عظيمة في تعذيب الإخوان وإذلالهم، فكانت المحنة قاسية والموقف أشد إيلامًا، ولم يكن هناك مجال لقانون، بل ديس القانون وديست القيم، ونعق البوم الناصرى فوق جثث وعلى جروح الإخوان.

لقد علقوا على أعواد المشانق ثلاثة من خيرة الإخوان، على رأسهم المفكر والأديب الشهيد سيد قطب، الذى أصر الطاغية -بحقده الأسود- على قتله، فلم تشفع عنده مكانته، ولم يشفع له مرضه، ولم تشفع الوساطات الكبيرة لإلغاء حكم الإعدام، فتم تنفيذ الحكم صباح يوم من أيام الشؤم على عبد الناصر وحاشيته، ومعه شهيدان آخران هما محمد يوسف هواش، عبد الفتاح إسماعيل، وذلك يوم 29/8/1966.

وقد تنوعت وسائل تعذيب الإخوان هذه المرة، طبقًا لطبيعة الاعترافات المطلوبة ودرجة سرعتها.. كذلك اختلفت وسائل التعذيب من شخص إلى آخر.. وتنقسم هذه الوسائل (حسب ما جاء في كتاب: الإخوان في سجون مصر؛ للمهندس محمد الصروى –رحمه الله- وكان واحدًا ممن وقع عليهم هذا العذاب) إلى:

أولا: التعذيب النفسى: بإلحاق أكبر قدر من الإهانة الشخصية بالإنسان المطلوب تعذيبه، لعله ينهار سريعًا، ويكفيهم مؤنة التعذيب البدنى، ووسائله كثيرة منها:

– الألفاظ البذيئة والمهينة: التى تطعن في شرف الشخص أو شرف زوجته أو أمه أو أبيه بصورة غاية في الوقاحة التى لم يتعود عليها الشخص، وخصوصًا المتدين، وهذه تتحول إلى روتين تقليدى في السجن، فالألفاظ البذيئة هى الوجبة التى تتكرر عشرات المرات في اليوم.
– الإهانة العملية: وتتمثل في عدة إجراءات تقليدية في السجن الحربى.. عند الاستقبال يتم تمزيق ملابس البعض، وفور وصوله إلى مكاتب التحقيق يمزق القميص.. والبنطلون، وكثيرًا ما يقف المرء بالملابس الداخلية فقط أو حتى يخلع الفانلة ويبقى بما يستر العورتين.. وإذا أريد مزيد من التعذيب فأحيانًا يقف المرء عاريًا كما ولدته أمه.

ثانيًا: التعذيب البدنى: ويشمل الضرب بالكرباح السودانى: وهذا الكرباج (السوط) يتم وضعه في الزيت كى يصير لينًا سهل الالتواء في يد الجلاد..
ويتم تعذيب الأخ كذلك بإصدار أوامر للكلاب المدربة لكى تغرز أنيابها في لحمه وفى رجليه وظهره وبطنه وتعضه عضًا مؤلمًا، والعسكرى يمسك الكلاب المدربة بحبل.. ويتكرر عض الكلاب في منظر رهيب.

وكان يتم تعذيب الإخوان في (الزنزانة رقم 9)، وهى زنزانة مثل باقى الزنازين لكن لها سور يحيط بها ارتفاعه حوالى نصف متر.. وهى مملوءة بالماء العطن، وبعد التعذيب الشديد، إن لم يعترف الأخ كما يريدون، يتم وضعه بملابسه في هذه الزنزانة ويبيت فيها.. فإن نام غرق ومات.. وإن قعد بلغ الماء فاه.. وإن قام واقفًا فهو لا يستطيع الوقوف طوال الليل.. وهو يشرب من هذا الماء ويبول فيه.. وهناك عسكرى واقف على باب الزنزانة من الخارج طوال الليل يقرع عليه الباب حتى لا ينام.. إن وقع مغشيًا عليه أيقظه العسكرى، وهكذا يظل يتعذب عدة أيام بهذه الوسيلة الشيطانية، وهى من الوسائل الرهيبة التى تُفقد الإنسان توازنه من كثرة الوقوف، وانعدام النوم، والرائحة العطنة، ومنع الماء والطعام..

لقد استمر هذا الوضع ستة أشهر كاملة، من أول أغسطس 1965م حتى فبراير 1966م، لاقى خلالها حوالى 34 ألفًا من الإخوان، من بينهم 450 سيدة، من التعذيب والإهانات، ما لم يقع على ضحايا محاكم التفتيش.

ثم صدرت بعدها أحكام ضد ما يقرب من 400 أخ، تراوحت ما بين المؤبد والثلاث سنوات.. لكن عندما حل موعد خروج أصحاب المدد الصغيرة، لم يخرج أحد، لقد استبقاهم العبد الخاسر في سجونه؛ لعمى بصيرته، كى يدعوا عليه وعلى أعوانه، حتى إذا أخذه الله صارت هذه الدعوات نارًا على روحه وجسده، حتى يبعثه الله يوم الحساب، فيقتص منه هؤلاء، كلٌ حسب ما ناله من التعذيب والإيذاء.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم