تحاول الحكومة المصرية اليوم إلصاق تهمة الإرهاب بجماعة الإخوان المسلمين التي انتشرت أفكارها خلال فترة وجيزة بعد تأسيسها وتحولت اليوم إلى أكبر حركة سياسية ومدنية تنظيمًا وانتشارًا في العالم الإسلامي. بيد أنّ النظام المصري الحالي هو الذي استخدم القوات المسلحة للدولة ضد محمد مرسي، أحد أفراد الإخوان، المنتخب كرئيس بأصوات الشعب، لتخون أمانة من عينوه في هذا المنصب.

لا يمكن أن يكون هناك فساد أو إرهاب عديم الأخلاق بقدر الانقلاب. فالانقلابات هي حركات إرهابية حققت النجاح. بالضبط كما هو الحال بالنسبة لإسرائيل اليوم؛ إذ إنها تقهر شعبًا من خلال الإرهاب والمذابح، ما جعلها تصل إلى قمة هرم السلطة في تلك الأراضي، وهو ما ضمن لها أن يرتقي وصف الإرهاب الذي تنعت به إلى مستوى الدولة، لكن هذا لا يمحو أبدًا وصف الإرهاب وملامحه.

والطريف والمحزن في الأمر أنه عندما اعترف الأعضاء الدائمون الخمسة بالأمم المتحدة بهذه الدولة، اكتسبت فعالياتها الإرهابية شرعية دولية. وأخطر ما في هذا الأمر وأكثره ظلما هو أن هؤلاء الإرهابيين يحصلون في الوقت ذاته على إمكانية نعت ضحاياهم بالإرهابيين، وكأنه لا يكفي أن يجدوا لأنفسهم الحق في تطبيق شتى أنواع الظلم على هؤلاء المظلومين.

بيد أن وصف الإرهاب يليق بهم هم أكثر من غيرهم. فنظام السيسي اليوم بعدما قتل 3 آلاف بريء أعزل في ميدان رابعة خلال أيام الانقلاب يحاول إلصاق تهمة الإرهاب بمن نجوا من تلك المجزرة، وذلك بعدما لم يحاسبه أحد على الجريمة الإنسانية التي ارتكبها ضد المدنيين.

هذا في حين أن حركة الإخوان المسلمين هي حركة “مسارها السلمي أقوى من رصاص معارضيها” كما قال مرشدها محمد بديع ذلك اليوم. فالحركة لا تبالي بالانتقادات التي تتلقاها أحيانا حتى من أتباعها بالجبن وعدم الكفاءة بسبب مواصلتها لفعالياتها دون أن تحيد بأي حال عن طريق الشرعية. وإن تاريخ الإخوان مليء بنماذج من الشخصيات التي انفصلت عن الحركة بعدما لم تطق إصرارها على مواصلة طريقها السياسي السلمي والمشروع، لتنضم إلى حركات أكثر راديكالية أو مسلحة. وقد أفضت هذه الانفصالات أحيانا إلى تشكل انطباع بأن جماعة الإخوان ستندثر وتختفي. لكن الإخوان لم تنحرف عن السير في هذا الطريق أبدًا.

لا يدهشنا أن ينعت النظام المصري حركة الإخوان بالإرهاب. فالجماعة هي المرشح الوحيد والأكيد للسلطة في أي انتخابات سياسية تشهدها البلاد، وهو ما يخيف الانقلابيين الذين يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه بتقديم بعض المسرحيات الهزلية الانتخابية حتى يستبعدوا الجماعة من على الساحة. لكن حتى أين؟ أين المفر؟

إنّ الإخوان ليست تنظيمًا يمكن التغلب عليه ونبذه عن طريق وضع الأقفال على أبواب مقراته. وهو ما يتضح من اسمه: “الإخوان المسلمون”، المصطلح الذي يضمّ تحت مظلته جميع المسلمين. فلن تستطيعوا تدمير الإخوان التي هي نتيجة حتمية لتآخي المسلمين ما لم تدمروا جميع المسلمين في مصر أو أي دولة إسلامية أخرى.

تصف دولة الإمارات كذلك الإخوان بأنها جماعية إرهابية. فهل نندهش لذلك؟ بالطبع لا. فالإمارات دولة تدعم أي تطور يحدث ضد الديمقراطية في أي دولة إسلامية وتمول جميع التنظيمات الإرهابية بغية زعزعة استقرار تلك الدولة. فهي قد قدمت الدعم لكل مراحل الانقلابات الإرهابية في تركيا، ولا تزال تفعل ذلك. ومعلوم للجميع قدر أنشطة اللوبي والضغوط التي مارستها الإمارات حتى تضع الولايات المتحدة كذلك الإخوان على لائحة الإرهاب.

وانظروا إلى العجيب في هذا الأمر أن واشنطن تنظر إلى المسألة بموضوعية لتسأل أي أنشطة الإخوان تحتم أن تضع الجماعة على لائحة الإرهاب. وفي الواقع فطرحها سؤالا كهذا يكفي. ذلك أنه لا يوجد جواب مقنع له. وبطبيعة الأمر فإن أعداء الديمقراطية في العالم الإسلامي يحاولون خنق أي حركة اجتماعية يمكن أن تكون أقوى حامل للواء الديمقراطية. ولهذا يستخدمون الوصف الوحيد الذي يمكن استخدامه لمعارضتها، لكنهم عاجزون عن إيجاد حجج تدعم هذا الوصف، لأنه أمر مستحيل. بل إنهم كلما اتهموا الإخوان بالإرهاب ذكّروا الناس أكثر بالجرائم التي ارتكبوها ضد الديمقراطية وقوق الإنسان. واليوم كم عدد الصحفيين والمثقفين والسياسيين الذين اعتقلوا وعذبوا بدون أي استجواب في سجون مصر والإمارات؟ فسؤال كهذا يجب طرحه في هاتين الدولتين لا محالة.

الإخوان في طريق السلام والديمقراطية، فأين يقف منتقدوها من الانقلابيين؟

أولم يرتكب الإخوان أي خطأ؟ وهل هذا يعقل؟ فالإخوان، كما قال خالد مشعل خلال الاحتفال بالذكرى التسعين لتأسيس الجماعة، هي حركة بشرية قبل أي شيء. فهي إحدى الكيانات التي تحمل ادعاء تمثيل الإسلام، وهي غير منزهة عن الأخطاء البشرية كالآخرين، ولا يمكن لأحد أن ينزهها عن هذه الأخطاء.

كان خطاب مشعل كبيان لتسعين عام من تاريخ الجماعة، لكنه لم يهمل النقد الذاتي. فوجه رسالة شكر ودعاء إلى تركيا، ورسالة إلى أعداء الإخوان، ورسالة إلى منتقدي الجماعة من المسلمين، ورسالة إلى الإخوان أنفسهم. خاطبهم جميعًا كلا على حدة، قائلًا إن الإخوان ليست حركة غير قابلة للانتقاد، بل إنها تستحق الكثير من النقد بإنصاف.

يجب التخلي، بأيّ حال، عن فكرة اعتبار أنّ توجيه النقد إلى الإخوان أو أي حركة إسلامية يعتبر نقدًا موجها للإسلام. فمنتقدو الإخوان لا ينتقدون الإسلام، بل إنهم ينتقدون الأخطاء المحتملة للجماعة كحركة سياسية، وهو أمر طبيعي وممكن لأقصى درجة.

90 عاما وعدد لا محدود من التجارب السياسية في كل بقة من بقاع العالم الإسلامي تقدم للحركة أقوى وأبرز مصدر عقلي. لكن بالرغم من ذلك يمكن للحركة أن تحتاج إلى عقل آخر غير هذا العقل، فعليها أن تصغي جيدا لذلك. وفي الوقت ذاته فإن كون السن والخبرة يعتبر ميزة داخل حركة تبلغ من العمر تسعة عقود، فإنه يمكن أن يكون لهما عيوب تعيق مسيرة التجديد ومواكبة الأحداث. ولهذا يجب الاهتمام بحل هذه المعضلة عن طريق اتخاذ تدابير تضمن تواصلًا وتكاملًا أفضل بين الأجيال.

باختصار، التحديث والاستماع إلى الشباب والنقد الذاتي هي مواضيع على أجندة الإخوان. لكن أين يقف أعداء الإخوان؟ لا أحد يطرح سؤالًا حول هذا الأمر. فهل يمكن أن يتراجعوا عن الانقلابات والإرهاب والديكتاتورية وانتهاكات حقوق الإنسان والتكفير والتعاون مع المحتلين ليتدبروا ويناقشوا؟

رابط دائم