أعطى من لا يملك من لا يستحق هضبة الجولان السورية المحتلة، فأطلق من لا يستحق اسم من لا يملك على الهضبة؛ مكافأة له وشكرًا للجميل، هكذا صار الأمر بين الرئيس الأكثر صهيونية في التاريخ الأمريكي دونالد ترامب، وبين رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو، بعد الإعلان عن إطلاق مستوطنة جديدة تحمل اسم “مرتفعات ترامب”، على اسم بلفور الجديد.

تأتي هذه الجلسة استمرارًا لقرار حكومة الاحتلال بإقامة المستوطنة المذكورة؛ تقديرًا لموقف ترامب بعد إعلانه، في مارس الماضي، في أوج المعركة الانتخابية في إسرائيل، عن أنه “بعد 52 عامًا آن الأوان لأن تعترف الولايات المتحدة الأمريكية بشكل تام بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان”.

وأتْبع ترامب تصريحه المذكور بتوقيع رسمي في البيت الأبيض، بحضور رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، على وثيقة الاعتراف الرسمية بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة، في الخامس والعشرين من مارس الماضي، قبيل أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في التاسع من إبريل، ورد نتنياهو على الخطوة الأمريكية بالإعلان عن نية حكومته إقامة مستوطنة جديدة في الجولان تحمل اسم ترامب.

التفاصيل الجغرافية

وبعد أن حُددت أهم قضايا الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، على رأسها قضايا القدس واللاجئين والضفة وحتى المستوطنات، باتت الأنظار جميعها تتوجه نحو قطاع غزة المحاصر، وتترقب ما تخبئه له الصفقة السياسية التي تُجهزها إدارة ترامب، التي تعرف باسم “صفقة القرن”.

ورغم الرفض الفلسطيني القاطع لإحداث أي تغييرات جغرافية لحدود قطاع غزة مع جيرانه، وعلى وجه الخصوص مصر، فإن التسريبات التي تخرج عن بنود الخطة الأمريكية تؤكد أن الشكل الجغرافي للقطاع سيتغير، وتضاف إليه مساحات كبيرة من الجهة الجنوبية داخل أراضي جزيرة سيناء.

هذه التسريبات ترافقت مع نشر خريطة جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي وفضاء الإنترنت لما سُميت بـ”حدود دولة فلسطين الجديدة”، والتي كان مصدرُها إسرائيليًّا، وحُددت فيها التفاصيل الجغرافية الجديدة لغزة، وأظهرت تفاصيل نقل أجزاء كبيرة من سيناء المصرية إلى القطاع.

ومع هذه التطورات الحساسة التي قد تحدد مصير غزة سياسيًّا وجغرافيًّا، وفي ظل مواقف الدول العربية الداعمة ضمنيًّا وماليًّا لصفقة القرن، وعلى رأسها الإمارات والسعودية وعمان والبحرين وحتى مصر، بات السؤال الأكبر الذي يُطرح على الساحة وينتظر الإجابة: هل يفعلها السفيه السيسي ويبيع أجزاء من سيناء لغزة ضمن صفقة سياسية جديدة؟.

ربما تبرر الإدارات الأمريكية والصهيونية للعالم مسألة ضم جزء من سيناء لغزة، انطلاقا من البعد التاريخي، وبالتحديد أن الحدود الجنوبية بين فلسطين ومصر وضعت في العام 1906م، عبر اتفاقية بين بريطانيا والدولة العثمانية وقتذاك، وبعيدا عن الموقف الفلسطيني والمصري، وأن الحدود الإدارية لقطاع غزة زمن الاحتلال البريطاني كانت تصل إلى منطقة القنطرة المصرية غرب قناة السويس.

رغبة صهيونية

ووفقًا للتقسيم البريطاني لفلسطين، فإنّ لواء غزّة كان يشمل فضاء بئر السبع وغزّة الممتد إلى مصر، ويُسمى في بعض الأحيان باللواء الجنوبي، وهو أكبر لواء في ذلك الزمن، كما أن هناك قبائل فلسطينية تسكن في رفح الفلسطينية، لها منازل وأراض تصل مساحتها إلى نهاية منطقة العريش.

تذكر مصادر في سيناء أن عدد السكان من أصول فلسطينية، حاليًا، يبلغ نحو 35 ألفًا غالبيتهم من البدو، كما أن أكثر العشائر البدوية بعض أصولها تعود إلى بئر السبع الفلسطينية، كقبيلة أبو عمرة البالغ عددها في سيناء 10 آلاف فرد، ولا يزال حتى الآن أبناء العائلة نفسها موزعين في غزة ومنطقة رهط في بئر السبع، جنوب النقب المحتل.

وتسعى الإدارة الأمريكية لإقناع الجانبين، المصري والفلسطيني، بأن “صفقة القرن” تقدم حلولا اقتصادية كبيرة قادرة على أن تحقق طفرة نوعية في اقتصادهما، مستغلة حالة الضعف الاقتصادي الشديد الذي تعاني منها مصر، والإدارات الفلسطينية الحاكمة سواء حركة حماس في غزة، أو حركة فتح في الضفة الغربية، الباحثين عن حلول للخروج من أزماتهم المالية الخانقة.

خاصة أن هناك دراسات تتحدث عن فوائد مصر الاقتصادية من خلال التبادل الاقتصادي مع قطاع غزة فقد تصل إلى 2.5 مليار دولار، بالإضافة إلى استفادة مصر من ودائع العملاء في البنوك الفلسطينية بغزة والتي تقدر بحوالي 10 مليارات دولار، وإلى جانب المكاسب المصرية الاقتصادية من المتوقع أن تنخفض البطالة في قطاع غزة من 80% إلى 20% خلال عامين من الانفتاح المصري الفلسطيني الاقتصادي في سيناء.

يشغل مثلث شبه جزيرة سيناء حيزًا استراتيجيًّا في خريطة التوازنات الدولية والإقليمية منذ فجر التاريخ؛ نظرا لموقعه الحاكم في خريطة الشرق الأوسط، حيث إنه رقعة اليابسة الوحيدة التي تقسم المنطقة العربية إلى شرق وغرب، ونتيجة لذلك فهو بمثابة حلقة الاتصال بين الشطرين في ظل الظروف الإقليمية المستقرة، وسد فاصل بينهما تحت ضغط هذه الظروف السياسية والعسكرية.

وهو ما يعني وجود رغبة صهيونية أمريكية بعدم بقاء هذه البقعة الاستراتيجية في يد دولة بحجم مصر، فالمنظور الإسرائيلي لمنطقة الشرق الأوسط قائم على تفتيت الدول الإقليمية الكبرى والتي من بينها مصر، ولذلك دفعت تل أبيب برجلها داخل الجيش السفيه السيسي وحصل الانقلاب.

Facebook Comments