كتب رانيا قناوي:

تستمر معاناة الصحفيين في مصر من قمع سلطات الانقلاب، التي لا تتورع عن حبسهم، وإخفائهم قسريا، حتى في بعض القضايا الوطنية العربية التي يجتمع عليها رأي المصريين، إلا أن نظام السيسي يثبت أنه ضد كل قضية وطنية وعربية، سواء كانت في الدفاع عن الأرض مثل "تيران وصنافير" التي اعتقل صحفيون، من بينهم النقيب السابق، خلال الدفاع عنها، أو في الدفاع عن مقدسات المسلمين مثل مظاهرات القدس التي تم خلالها اعتقال صحفيين هما أحمد عبد العزيز وحسام السويفي.

ومع دولة قمع الحريات والتعبير عن الرأي، اعتلت مصر في ظل حكم الانقلاب العسكري للعام الثالث على التوالي، قائمة الدول الأكثر قمعا للصحفيين، حيث حلت بين المراكز الثلاثة الأولى، بعد أن بلغ اعتقال الصحفيين في مصر مستوى تاريخيا غر مسبوق.

وأعلنت لجنة حماية الصحافيين الدولية، في بيان لها أمس الأربعاء، أن عدد الصحفيين السجناء بسبب عملهم بلغ مستوى تاريخيا للسنة الثانية على التوالي، في الوقت الذي تتقاعس فيه الولايات المتحدة وغيرها من القوى الغربية عن ممارسة الضغط على الدول التي تسجن العدد الأكبر من الصحفيين وعلى رأسها مصر للتخفيف من المناخ القاتم لحرية الصحافة.

وأكد البيان أنه "للسنة الثانية على التوالي كانت مصر تضم أكثر من نصف الصحفيين السجناء بسبب عملهم.. وهذا النمط يُبرز الفشل الذريع للمجتمع الدولي في التصدي للأزمة العالمية في مجال حرية الصحافة".

وأشارت لجنة حماية الصحفيين في إحصائها السنوي إلى أن 262 صحفيا سجينا في العالم لأسباب متعلقة بعملهم، وهو رقم قياسي جديد بعد الرقم القياسي التاريخي الذي بلغه في العام الماضي الذي وصل إلى 259 صحفيًا، في حين تأتي مصر من بين الدول الثلاثة الأولى في احتجاز الصحفيين، محققة رقم 134 صحفيًا (أي 51%) من المجموع.

وأكدت اللجنة أن معظم الصحفيين السجناء في مصر، يعانون من ظروف صحية سيئة أيضًا، ومن بين الصحفيين السجناء في مصر، هناك 12 صحفياً لم يدانوا بارتكاب أية جريمة أو لم تصدر ضدهم أية أحكام.

راضي وجعفر وحسين
وعلى الرغم من استغاثات أسر الصحفيين المعتقلين في سجون الانقلاب ومنهم (محسن راضي ومجدي حسين وهشام جعفر وإبراهيم الدرواي وأحمد زهران وحمدي الزعيم وأسامة البشبيشي ومحمد حسن) من انهيار حالتهم الصحية وتعذيبهم في سجون الانقلاب، إلا أن نظام الانقلاب يتحدى المنظمات الحقوقية التي تحدثت عن أحوالهم داخل المعتقلات، وترتكب انتهاكات مضاعفة للصحفيين، بما يهدد ويعرض حياتهم للخطر.

وأكدت التقارير الطبية والشكاوى التي قدمتها أسر الزملاء المحبوسين تراجع أوضاعهم بشدة، محذرة من إصابة الزميل هشام جعفر بالفشل الكلوي وفقد بصره داخل محبسه، فيما يتعرض الزميل أحمد زهران لمخاطر الإصابة بالشلل التام بسبب الإهمال في علاجه، بعد إصابته بشظية في الرأس خلال القبض عليه.

كما يحتاج حمدي الزعيم إلى عملية لعلاج الانزلاق الغضروفي الذي أصابه، فضلا عن حرمانه من وصول أدوية السكر والضغط التي اصيب بهما في محبسه. أما مجدي حسين فيعاني من تدهور مستمر في حالته الصحية، إلى حد عدم القدرة على الحركة، ويحتاج لإجراء أشعة بالرنين المغناطيسي لتحديد مدى حاجته للتدخل الجراحي.

كما تتعمد سلطات الانقلاب عدم تقديم العلاج اللازم للزملاء المحبوسين، وتركهم للموت البطيء في أماكن احتجاز بالغة السوء هو جريمة متكاملة الأركان، تستوجب محاسبة كل المسئولين عنها.

فضائح دولية وتحد انقلابي
وعلى الرغم من عشرات التقارير الحقوقية التي تشير إلى انهيار الحالة الصحية لعدد من الصحفيين المعتقلين، وزيادة حالات القمع ضد حرية الرأي والتعبير، إلا أن السيسي تحدى كل المنظمات الحقوقية والهيئات الدولية الرسمية، وأصر على المضي قدما في اعتقال الصحفيين، والتي كان أحدثها الخميس الماضي حين اعتقل الزميلان أحمد عبد العزيز وحسام السويفي من داخل نقابة الصحفيين، وهي المرة الثانية التي تقتحم فيها قوات أمن الانقلاب سلالم النقابة وتعتقل صحفيين، وسط صمت نقابة الصحفيين والنقيب عبد المحسن سلامة الذي ادعى سكرتيره حاتم زكريا أن الزملاء المعتقلين كان لهم قرار ضبط وإحضار قبل تنظيم المظاهرة الخاصة بالقدس وليس للنقابة علاقة باعتقالهم.

خضومات سياسية
ورسم تقرير نصف سنوي لـمنظمة العفو الدولية (أمنستي) صورة قاتمة لأوضاع حرية التعبير والحريات الصحفية في مصر، مشيرا إلى استمرار محاكمة الصحفيين بتهم بينها نشر أخبار زائفة. معتبرة أن أغلب التهم التي يحال بها الصحفيون للمحاكمة دوافعها سياسية. وأضافت أن أحد الصحفيين المصريين صدر بحقه حكم بالإعدام بعد توجيه تهمة جنائية له.

ووصف الكاتب الصحفي سليم عزوز التقارير الحقوقية تجاه حبس الصحفيين بأنها تأكيد لواقع أليم تعيشه الصحافة المصرية، حيث لا حرية للصحافة في عهد نظام عبد الفتاح السيسي الانقلابي، وتستخدم المحاكم والسجون لترهيب الصحفيين بواسطة قضاء يحكم خارج القانون، معتبرا أن ما سماه حالة اللاقانون هي التي تحكم مصر منذ انقلاب يوليو 2013.

وأكد أن السيسي يعادي الصحفيين ويدير معركة شخصية مع الإعلام ولا يريد أن يسمع طبقة صوت مختلفة عن طبقة صوته، وقال عزوز "نحن أمام حاكم عسكري لا يجوز لأحد الاقتراب من رحاب دولته بأي نقد".

واعتبر أن السيسي يريد شراء جميع الفضائيات لتصبح في النهاية هناك فضائية واحدة تديرها المخابرات "وسيحقق ذلك لأنه يريد فرض رأيه في السياسة والدين والاقتصاد، ويعتبر نفسه المفكر الوحيد وفيلسوف عصره وزمانه" ودعا الصحفيين المصريين إلى مقاومة نظام السيسي أمام رعاته الدوليين بشتى السبل، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

رسالة إلى الشعب
من جهته، قال نقيب الصحفيين الأسبق ممدوح الولي إن الانتهاكات بحق الصحفيين ليست وليدة اليوم ولكنها بدأت بالقتل والتعذيب والإحالة إلى المحكمة العسكرية منذ يوليو 2013 وتصاعدت حاليا، وهي ظاهرة عامة ليست مقصورة على الصحفيين ولكنها تشمل تضييق الحريات في المجتمع المصري كله.

وقال الولي إنه لا توجد مقارنة بين ما يحدث في عهد السيسي من انتهاكات ضد الصحفيين وأيام الرئيس محمد مرسي حيث لم يحدث لا حبس ولا تعذيب للصحفيين، وكانت حالة واحدة فقط حبس فيها صحفي في قضية قذف وسعت نقابة الصحفيين آنذاك للإفراج عنه في نفس يوم حبسه.

وأضاف أن "نظام السيسي يهدف من الانتهاكات التي يمارسها بحق الصحفيين إلى توصيل رسالة لمختلف فئات الشعب مفادها أنه ليست هناك فئة مستثناة من القمع الذي يمارسه، وأنه لا رأي سوى رأيه ويجب ألا يسمع صوت إلا صوت السيسي". 

رابط دائم