تخيلت أن بلدنا العزيز فاز ببطولة كأس العالم فى كرة القدم، وقد خرج المصريون عن بكرة أبيهم يحتفلون بهذا الفوز العظيم، ثم خرج الوزراء والرؤساء والمسئولون يقدمون التهنئة للشعب والفريق، ويدشنون هذا الإنجاز الفريد.

تخيلت هذه المشاهد وقلت: ماذا ستكون المحروسة بعد هذا الحدث الكبير؟ وأجبت: سوف تكون فرحة «قومية» لا تقل بحال عن فرحة مواطنينا الطيبين يوم خروجهم إلى الشوارع ونجاحهم فى إثناء الزعيم العسكرى «الموكوس» عن تنحيه بعد هزيمة 1967، وسوف ينشغل الناس بهذا الأمر أيامًا وليالى تقام خلالها الحفلات والمهرجانات، حتى يتعطل الإنتاج،  وتصاب المواصلات بالشلل،  وتسقط شبكات الاتصالات، وسوف يظلون يتكلمون فى الحدث فى الشوارع والطرقات، والمقاهى والتليفزيونات، وبالليل والنهار، وفى السر والعلن، ولن يترددوا فى نسبة هذا «النصر العظيم» إلى «سيادة الرئيس» ونظامه، وحكومته واتحاد كورته، ولن يكفوا عن ذكر هذا الحدث المقدس إلا على أصوات ضحايا جدد فى كارثة من كوارثنا القومية التى لا تنتهى..

وقلت: لكن هذا الإنجاز البطولى الذى أحرزه «الفراعنة» لن ينقلنا من التخلف إلى التقدم والتطور، ولن يجعلنا فى مصاف الدول العظمى بدلاً من طابور الدول «النامية» التى تطلق على المتخلفين تخفيفًا عنهم ومراعاة لظروفهم النفسية، ولن يقضى هذا الكأس على حال الاستبداد والقهر والخوف والديكتاتورية التى تلازمنا منذ عشرات السنين، وقد خلّفت هياكل آدميين، مرتعشين تجمعهم صافرة وتصرفهم أخرى، يعيشون فى انكسار وذل وصغار، يخشون الحاكم أكثر مما يخشون الله، يفرحون بكسرة خبز يلقيها إليهم المستبدون -وهى من مالهم- ويبتئسون لو أن كرة لاعبهم المفضل لم تحتسب «ضربة جزاء»..

واستطردت: إن فوزنا بالكأس لن يعطى المصريين الحق فى الحريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولن يجعل بلدهم بلدًا ديمقراطيًا، ولن يسمح بتداول السلطة، ولن يزحزح العسكر عن مواقعهم، بل سيعطيهم الحق فى الاستمرار فى هذه المواقع؛ إذ سينسبون الإنجاز التاريخى لأنفسهم، وسيقولون لولانا ما فاز المنتخب، ولولا حكمتنا وشجاعتنا لما ارتفع اسم مصر عاليًا يرفرف فى الخافقين. ومن حقهم ساعتئذ أن يفعلوا بنا ما شاءوا من أفاعيلهم التى لا تعرف المنطق ولا الإنسانية..

كما أن الفوز لن يزيد الإنتاج. بالعكس سيكون ملهاة ومثار جدل، ومناقشات، وأخذ ورد، ولن يخفف حدة البطالة، ولن يعالج مشكلات البلد الاجتماعية والصحية، ولن يخفض الأسعار، ولن يوفر الأدوية للمرضى، ولن يصلح التعليم، ولن يعالج مشكلات الإدمان والمخدرات أو جرائم الخطف والعنف والتحرش..

تخيلت أننا فزنا بالكأس وكان هذا حالنا.. فما قيمة أننا فزنا بمباراة أو اثنتين أو ثلاثًا؟ وما العائد على الوطن والمواطن من هذا الفوز ونحن فى حال أصعب من «سوريا والعراق»؟

يقول البعض ردًا على هذه الأسئلة: «احنا عايزين حاجة تفرحنا». وهذا حق لكل حزين أو مهموم أو مكتئب، من حق كل واحد منهم أن يبحث عما يسرّيه ويضحك سنه ويفرح قلبه، لكن يقال أيضًا لصاحب الاكتئاب: لتكن ذا عزيمة، وليكن لك هدف، فلن تخرج من اكتئابك إلا إذا أنجزت شيئًا وقويت إرادتك، وإلا عشت على وهم الفرح الذى تبحث عنه، فما إن تنتهى فرحة حتى تبحث عن أخرى، فماذا إن لم تجد؟

المصريون جميعًا بحاجة إلى الخروج مما هم فيه؛ بوضع أيديهم على السبب الحقيقى لمآزقهم وعلاجها، وهى معروفة معلومة عند من لم تلههم الكرة، تتلخص فى أن أنظمة عسكرية متتالية هى من ترعى الكرة والفن وتنشر المخدرات والشعوذة بين الشباب؛ لصرفهم عن السياسة، وتغييب وعيهم كى لا يطالبوا بحقوقهم، ولا شىء أبلغ فى التعصب من الكرة، فماذا لو كان التعصب للمنتخب القومى؟ من أجل ذلك ترى الإعلام قد أغفل عينيه وأذنيه عن سائر القضايا الأخرى؛ فتلك قضية القضايا وحدث الأحداث، والحقيقة أنها أوامر سلطوية انساق خلفها الملايين وما يدرون ما يفعل بهم وببلدهم..

نظرت حولى فلم أجد بلدًا قويًا شغوفًا بهذه اللعبة أو غيرها، كما لم أجد بلدًا من هذه البلدان حشد شعبه كما نفعل نحن. لم أسمع عن ضجيج للمنتخب الأمريكى أو الإسرائيلى، والأمر كذلك فى أوربا بطولها وعرضها التى نجد لدى جماهيرها حماسًا لكنه مقنن من جانب السلطات فلا تجد فيه النعرة الفرعونية التى عندنا. أما تلك النعرة التى عندنا فوجدتها فى دول أمريكا اللاتينية التى تنافسنا فى التخلف والتردى الحضارى، وتعيش على فتات جارتها الشمالية، وتأتمر بأمرها وتنفذ توجهاتها..

يا سادة!! لا نمنعكم الفرح والمرح، ولا نمنعكم تشجيع فريقكم القومى، فتلك مسلَّمات، لكن نوصيكم بضبط العاطفة، وإفساح المجال للعقل والتفكير فى حالنا «اللى يصعب على الكافر».

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم