في اطار سيطرة العسكر على كل شيء في مصر، وفي خطوة تضرب عصفورين بحجر واحد، التقى اليوم اللواء محمد سعيد العصار وزير الدولة للإنتاج الحربى، وعبد المحسن سلامة نقيب الصحفيين، لبحث مشاركة الإنتاج الحربى فى المشروعات الخاصة بالنقابة وذلك بديوان عام الوزارة. وناقشا إنشاء مصنع لورق الصحف.

الخطوة المزمع تنفيذها، تحقق بزنس كبير للعسكر وشركاته ، عبر السيطرة على سوق الورق والطباعة من ناحية، وتحقق للنظام العسكري كزيدا من التحكم والسيطرة في حرية الصحافة، حيث سيتحول الورق وسعره كوسيلة للتحكم فيما ينشر.

اللقاء اثار استياء المراقبين والصحفيين، الذين يروا أن خضوع الصحف لوزارة الانتاج الحربي معناه عدم قدرة الصحفيين على نقد الحكومة او مجرد التعبير عن الاراء التي تخالف النظام….وهو ما يعد عسكرة غير مباشرة، وتحكم عسكري بما ينشر بالصحف.

تكريس السيطرة

استعرض “العصار” خلال اللقاء “إمكانات الشركات والوحدات التابعة للجيش في التعاون مع كافة المؤسسات الوطنية من هيئات وقطاعات حكومية وقطاع خاص لإقامة مشروعات اقتصادية ، حيث تم مناقشة مشاركة وزارة الإنتاج الحربي في تنفيذ مشروعين علي مستوي عال من الأهمية تم طرحهما اثناء اللقاء احدهما إنشاء مصنع خاص بإنتاج الورق بكافة أنواعه وخاصة ورق الصحف اللازم للطباعة، والمشروع الآخر هو إنشاء مستشفي خاصة بنقابة الصحفيين وتجهيزها بأحدث الأدوات والمعدات الطبية والمعامل الخاصة.

فيما قدم نقيب الصحفيين المقرب من العسكر وصلة نفاق، معربا عن ثقتة فى إسناد تنفيذ هذه المشروعات لوزارة الإنتاج الحربى لما لها من إمكانات تصنيعية كبيرة وعمالة مدربة علي أعلي مستوى، خاصة شركة الإنتاج الحربى للمشروعات والاستشارات الهندسية والتوريدات العامة التى لديها خبرات كبيرة فى تنفيذ مثل هذه المشروعات نظراً للنجاحات التى حققتها فى المشروعات القومية والتنموية التى أسندت إليها والتى قامت بتنفيذها فى أوقاتها المحددة بمستوى عال من الجودة وبتكلفة مالية مناسبة” وفقا لنقيب الصحفيين.

ويأتي إإسناد المشروعين للإنتاج الحربي بمثابة إهدار لمبدا التنافسية واخلالا بالاستثمار وقوانين التجارة، وهو غالبا ما يطبق في كافة قطاعات الدولة، والتي ابتلعت شركات الجيش نحو 60% من اقتصادها، بحسب تقديرات مركز كارينجي للأبحاث والدراسات.

مزيد من القمع

وتصنف مصر حاليا في المرتبة 161 من بين 180 دولة في سلم احترام حرية التعبير والصحافة حسب منظمة مراسلون بلا حدود، كما وصل عدد المواقع الإعلامية المحجوبة في مصر إلى حوالي 500 موقعا حسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير.
وتشير تقارير المؤسسة نفسها إلى أن عدد الصحفيين الذي أحيلوا إلى المحاكمة بسبب عملهم الصحفي وصل إلى 10 صحفيين، فيما تؤكد منظمات أخرى أن العدد أكبر من ذلك بكثير، بينما أحيل الصحفي إسماعيل الإسكندراني إلى القضاء العسكري بتهمة “إشاعة أخبار كاذبة” وتهم أخرى إثر كتابته تحقيق عن حياة المصريين في سيناء وقد تمت إحالته بتهم جنائية حتى يتم الالتفاف على الدستور الذي يمنع حبس الصحفيين تحفظيا في قضايا النشر، وهذا يؤكد تناقض ممارسات السلطة مع الحقوق والقوانين المعلنة في الدستور.

هذه بعض القضايا التي تخفي وراءها العديد من القضايا الأخرى في ملف حرية الإعلام والصحافة في مصر بعد 7 سنوات عن ثورة يناير. ولعل أهم تلك القضايا يتمثل اليوم في التشابك العميق والمعقد بين الأجهزة الاستخبارية التابعة للجيش المصري والمحطات التلفزيونية وشركات الإنتاج والصحافة.

وتحت شعار “إعادة هيبة الدولة والجيش” صرح عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب في اجتماع له مع الصحفيين أن تحقيق تلك الهيبة مرة أخرى “يتطلب أذرعا إعلامية تقوم بها مؤسسات الدولة”، وقد تم ذلك بالفعل عبر التداخل بين الأجهزة العسكرية والإستخبارية من جهة والقنوات الفضائية وشركات الإنتاج من جهة أخرى.

فقد تمكن رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة من شراء شركة “إعلام المصريين” التي تدير 17 وسيلة إعلام من بينها “أون تي في” و”دوت مصر” و”اليوم السابع”. ومن المعروف عن أحمد أبو هشيمة أنه مقرب من المخابرات المصرية حسب مصادر لقناة دوتشي فيله الألمانية. كما تمكن أبو هشيمة من شراء 51 % من أسهم شركة “بريزينيتش سبورت” التي لها حق بث مباريات الدوري المصري، وشراء 50 % من أسهم شركة “مصر للسينما” التي لها نصيب الأسد في الإنتاج السينمائي في مصر.

دور رجال الأعمال

ونشرت منظمة مراسلون بلا حدود تقريرا مفصلا عن دور رجال الأعمال في إخضاع عدد من المحطات التلفزيونية والصحف لسلطة المخابرات العامة. وكشف التقرير عن صفقة جرت بين شركة “إيجال كابيتال للاستثمارات المالية” وهي صندوق استثماري مملوك بشكل مباشر من قبل المخابرات العامة المصرية وبين رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة الذي أصبح مالكا لأسهم قليلة في هذه الشركة كي يتسنى له التحدث باسمها والتوقيع وإبرام العقود عنها. وبالفعل تم بعد ذلك توقيع العديد من العقود باسم الشركة لشراء عدد من وسائل الإعلام المتنوعة بين صحف كاليوم السابع والعين وصوت الأمة ودوت مصر وغيرها وذلك حسب موقع إعلام المصريين.

وأوكلت إدارة بعض القنوات الفضائية المصرية لرجال مخابرات مصريين سابقين، مثل قناة “الحياة” التي اشترتها شركة “فالكون” وهي من الشركات الأمنية الكبرى في مصر ومؤسسها ضابط المخابرات العامة السابق اللواء سامح سيف اليزل، ويدير القناة الآن ضابط المخابرات السابق ياسر سليم الذي يملك بدوره شركة “بلاك أند وايت” للإنتاج الفني والمالك السابق لموقع “دوت مصر” قبل بيعها لأبو هشيمة.

طبعا أثرت هذه الصفقات والتغيرات على عمل الصحفيين داخل وسائلهم الإعلامية، وقد ظهر ذلك من خلال الصحفيين الذين طردوا من عملهم نتيجة مواقفهم المنتقدة للحكومة أو للرئاسة. وقد كتب الصحفي مدحت صفوت تدوينة على صفحته بفيسبوك يؤكد فيها أن رئيس تحريره في “اليوم السابع” قال له حرفيا: “الآن أصبح عبد الفتاح السيسي مالك الصحيفة ولن يكون لإدارة التحرير أي إمكانية في إبقاء أصوات ناقدة للرئيس”!

سيطرة كاملة

ويقول تقرير لمراسلون بلا حدود التي أصبح موقعها ممنوعا في مصر منذ أغسطس 2017 إنه بالإضافة إلى وقوع عدد من وسائل الإعلام بشكل متزايد في أيدي رجال معروفين بصلاتهم الوثيقة مع النظام وأجهزة مخابراته، تمكنت أيادي السلطة الحاكمة من بسط سيطرتها وزيادة نفوذها داخل المشهد الإعلامي في عام 2016 من خلال ظهور شبكة DMC وباقة قنواتها (الأخبار، والترفيه، والرياضة …)، علما أن هذه المؤسسة الإعلامية – التي يصفها بعض الصحفيين بأنها صوت المخابرات – تحصل من السلطات الأمنية على تصاريح التصوير في أماكن وأحداث حيث تُواجَه طلبات وسائل الإعلام الخاصة الأخرى بالرفض. كما تُعرف قنوات هذه الشبكة ببثها مقابلات تُقدَّم على أنها حصرية بينما لا تنطوي في الواقع إلا على تكرار للخطاب الأمني الذي يتبناه النظام في محاربة خصومه.

يشار إلى أنه في عهد عبد المحسن سلامة تم تمرير قانون الصحافة الجديد الذي يقلص الحريات الإعلامية والصحفية، وقوانين السوشيال ميديا، وتمت زيادة الرصيد المالي المؤهل لاطلاق مواقع إلكترونية بما يحد من العمل الصحفي في مصر، والذي سيدخل ما تبقى منه حظيرة العسكر عبر مصنع الورق العسكري الذي سيلحقه عدة قرارات وقوانين حكومية بحظر استيراده من الخارج ليصبح الجميع تخت سيكرة العسكر.

رابط دائم