الكاتب الصحفي وائل قنديلالكاتب الصحفي وائل قنديل

أنت صدّقت رواية الأمن الموزّعة على صحف الأمن، لتنشر نصًا ثابتًا، من دون أي اختلاف بين صحيفة وأخرى، بشأن ما قاله السفير معصوم مرزوق في تحقيقات النيابة عن تأييده لمذبحة فض اعتصام ميدان رابعة العدوية، وإعجابه بسياسات عبد الفتاح السيسي الخارجية.

حسنًا، هذا اعتقادك الشخصي وأنت حر فيه، لكني دعني أذكّرك بالآتي:

أنت رفضت الرواية الأمنية في تحقيقات مقتل الشاب خالد سعيد، قبل ثورة يناير/ كانون ثاني 2011، وأبديت قرفك وامتعاضك من سيناريو النيابة والطب الشرعي، الذي زعم أن الشاب لقي مصرعه بابتلاع لفافة من مخدّر البانجو، كانت في حوزته، وفيما كان الإعلام الأمني يسخر منك، ومن الشاب، ويردّد ليلًا ونهارًا “شهيد البانجو” كنت تغضب وتتظاهر وتصرخ: لا.. هو شهيد التعذيب على يد قوات الأمن، ثم تصاعد غضبك وتمدّد، حتى صار ثورة في يوم الخامس والعشرين من يناير 2011.

أخيرا، وفي الساعات القليلة الماضية، أنت تفاعلت مع تظاهرات قرية “ميت سلسيل” في محافظة الدقهلية، والتي انطلقت احتجاجًا على الرواية الأمنية لمقتل طفلين على يد والدهما، وانتزاع اعترافاتٍ من الأب، تفيد بأنه قتل صغيريْه، لأنهما يسبّبان له إزعاجًا، وهي الرواية التي لم يصدّقها أحد، وفجّرت تظاهراتٍ غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، تطوّرت إلى مسيراتٍ وتظاهرات، قابلها الأمن بالقمع وقنابل الغاز على أرض الواقع.

ارجع قليلًا إلى الخلف، وتذكّر معي موقفك من قضية إعدامات شباب كفر الشيخ، الأبرياء الذين قتلتهم السلطة على مشانق القضاء، استنادًا إلى اعترافاتٍ تم انتزاعها منهم في أثناء التحقيقات بالإكراه والتعذيب.

هذه القضية قلت إنها ستدرّس لطلاب الحقوق على مستوى العالم نموذجاً لفساد التحرّيات والتحقيقات وفساد الاستدلال وفساد النتائج، فيكفي أن تعلم أن تقرير الأدلة الجنائية أكّد أن التفجير تم عن طريق تليفون محمول، خلافاً لما جاء في اعترافات المتهمين المنتزعة تحت أبشع أنواع التعذيب.

أحد الذين تم إعدامهم في قضية كفر الشيخ، سامح عبد الله، ترك رسالةً قبل أن يذهب إلى حبل المشنقة، قال فيها: “رسالة إلى أهل قريتي الكرام، ولكل من يعرفني في الداخل والخارج، أقول لكم لا تظنوا بي إلا خيراً فأنا والله العظيم بريء من هذا الدم، ولم أعرف أي شيءٍ عن هذا الحادث. ولكن أنا راضٍ بقضاء الله عز وجل. الحمد لله على كل حال، وبريء من أي دم، وأنا الآن في هذا المكان بين يدي الله، أشهد إليه عز وجل أني بريء من هذا الدم. سوف اقتصّ أمام ربي من كل من شارك في قتلي، ولو بشطر كلمة، أعان الظالم عليها، وحسبي الله ونعم الوكيل، وعند الله تجتمع الخصوم والمظالم”.

السؤال الآن إلى ضمير الذين يرفضون التعاطف مع السفير معصوم مرزوق في محبسه: لو أقررت بصدقية هذه الاعترافات المنشورة، عبر تسريبات المصادر الأمنية، فلماذا ترفض تصديق اعترافات الآلاف من الشباب تحت التعذيب، وهي الاعترافات التي سجّلت ووقعوا عليها، وقادت كثيرين منهم إلى حبل المشنقة.

ولماذا لا تصدّق اعتراف رجل بقتل طفليه، وإلقاء جثتيهما في مياه النيل، أو اعترافات امرأة بذبح طفلها؟

ولو رجعت بعيدًا في عمق التاريخ، لماذا لا تقرّ بصحة رواية الأمن عن واقعة انتحار المجند سليمان خاطر، بشنق نفسه في زنزانته التي أودع بها، بعد عمليته البطولية ضد الصهاينة في سيناء 1987؟

أخيرًا، ما زلت عند رأيي في مذبحة رابعة العدوية، وهو أنها خط الاستواء أو الحد الفاصل بين الإنسانية والحيوانية، ولا أتصوّر أن شخصًا أيّد مذبحة رابعة يمكن أن يكون معنيّا بالفرق بين الخير والشر، أو بين الحق والباطل، بين الثورة والثورة المضادّة.

لكن قبل أن تفرح بتسريبات الأمن عن أقوال معصوم مرزوق عن “رابعة”، تذكّر أنك طوال السنوات الخمس الماضية تعتبر كل ما يعلنه الأمن هو الكذب المنقوع في دماء ضحاياه، فلماذا تعتنق رواية الأمن هذه المرّة بكل هذه الحفاوة.

استقيموا واعدلوا.
=========
نقلا عن “العربي الجديد”

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم