يتداول المصريون “نكتة قديمة” منذ عصر المخلوع مبارك، تقول “إن جمال مبارك قال لأبيه: يا بابا عاوز أمسك الحكم.. يا بابا عاوز أبقى ريس.. وكان مبارك كل مرة يقول له: لسّه يا بني.. لسّه.. لكن جمال لم يفقد الأمل ودائما يقول: بابا عاوز أمسك الحكم. ولما فاض الكيل بمبارك من إلحاح ابنه قال له: طيب يا واد حاديك الحكم بس لازم أجربك، حاديك قفص فراخ تاخذه إلى ميدان التحرير.. تفتح القفص، وبعدين لازم ترجع كل الفراخ إلى القفص.. لكن جمال فشل في التجربة، وعاد إلى والده خائبا.. فقال له مبارك بعد سؤال ابنه له عن نجاحه فيما فشل فيه هو: أنا مسكت قفص الفراخ في ميدان التحرير، وخضيته جامد وبعدين فتحت القفص ولا فرخة طلعت برّه”.

“هتدفع.. هوريك اللي عمرك ماشوفته.. مش هتدفع، ههههه، مافيش حاجة عندي ببلاش”.. يبدو أن هذه الكلمات الخالدة أصبحت المعادلة التي فكت شفرة سياسة السيسي، وسارت على نهج مبارك في إفقار الشعب المصري، مع إصراره في كل حديث يخرج به للشعب المصري على أن يردد هذه العبارات، بالرغم من أنها أصبحت مجالا للسخرية على صفحات التواصل الاجتماعي وتعليقات نشطاء العمل السياسي.

تطرح هذه العبارات تساؤلات عديدة، أبرزها لماذا يحكم السيسي بالفقر؟ ولماذا لا يخشى ردة فعل الفقراء حال طفح بهم الكيل؟

كل التعليقات الساخرة والمتواصلة لم توقف السيسي عن الخط الذي رسمه للمصريين، ليتضح أن قطار العوز والفقر واليأس الذي ينشره السيسي ليس مجرد مبرر لفساد دولته، بقدر ما هو الدليل على الأجندة التي جاء بها قائد الانقلاب لتدمير الأمة المصرية.

إحنا فقرا أوي

ففي معرض حديثه، خلال افتتاح أي مشروع من مشروعات الوهم، التي يخرج بها قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، لا يغير السيسي من خطابه، حتى أصبح الخطاب الذي يخرج به بصفة دورية مرة كل أسبوع تقريبا، يأتي ملخصا لعبارات حفظها الشعب المصري وسئمها، وهي “مفيش.. معنديش.. إحنا فقرا أوي، أنا كمان فقير.. وهتدفع يعني هتدفع”.

واعتاد السيسي منذ عام 2013 الخروج عن النص، للتبشير دائما بالفقر، وفي كلمة سابقة، قال عبد الفتاح موجها كلمته للشعب: “بيقولك خلى بالك ده مش سائل فيك، خلى بالك دول مش واخدين بالهم منكم، خلى بالك ده مبيأكلكش، ده مبيعلمكش، بس مقالكش خلى بالك إن أنت فقير أوي”، مكررا تلك العبارة مرتين.

حتى إنه في شهر مايو، انفعل السيسي على أحد النواب ببرلمان العسكر، في جلسة افتتاح مدينة دمياط للأثاث، حين طالبه بتأجيل زيادة أسعار الوقود والكهرباء حتى رفع الحد الأدنى للأجور إلى 3 آلاف جنيه.

وقاطع السيسي النائب قائلا بغضب: «إنت مين؟!.. إنت دارس الموضوع اللي بتتكلم فيه.. إنت عايز دولة تقوم، ولا تفضل ميتة؟.. لو سمحت ادرسوا المواضيع كويس وبعدين اتكلموا».

وتابع: «الدولة مش بتقوم بالعواطف والكلام اللى مش مدروس، مش كلام زي نؤجل, وبلاش دلوقتي, ومعلش. من فضلكم اللى يتصدى للموضوع يبقى دارسه دراسة كاملة».

صبح على مصر بجنيه

ومن عباراته الشهيرة التي أصبحت من الأقوال الساخرة «صبح على مصر بجنيه»، و«اللي ميرضيش ربنا إحنا نعمله»، و«أنا مش عارف أديك.. أنت مش محتاج تقولي هات.. أنا لو أقدر أديك هديك من عيني… بس أنا مش قادر… هتاكلوا مصر يعني… هتموتوها يعني»، و«لوعايزين استقلال بجد متناموش ومتاكلوش».

وهي العبارات التي أثارت في مجملها غضب الشارع، وسرعان ما تحول إلى إفيهات ونكات ساخرة.

العسكر والجوع

وحينما تستحضر خطابات الراحل جمال عبد الناصر، تشعر أن سياسة عبد الفتاح السيسي هي سياسة ممتدة لحكم النظام العسكري الذي استولى على مصر، ويرى أنه لا سبيل للقفز على كرسي الحكم من بين أيديهم، طالما نجحوا في إفقار الشعب المصري.

فمنذ انقلاب عبد الناصر على الرئيس محمد نجيب في عام 1954، خرج بخطاب الفقر الذي اشتهروا به، وفي طياته يطالبون الشعب بالتقشف وشد الحزام، والصبر على الحرمان، والغلاء والبلاء، بحجة بناء الوطن، ومتعللين بأن الخزانة خاوية وأن الموارد لا تسمن ولا تغني من جوع.

واستمر على نفس السياسة الراحل أنور السادات، ومن بعده المخلوع مبارك الذي أكثر من الحديث عن عنق الزجاجة، وتوقف خطاب الفقر عاما كاملا بوصول الرئيس محمد مرسي إلى سدة الحكم، أول رئيس مدني منتخب للبلاد، ثم عاد مرة أخرى بانقلاب السفيه عبد الفتاح السيسي.

ويعتمد نظام العسكر في مبررات الفقر وتدهور الاقتصاد والأمن على الزيادة السكانية الكبيرة التي تلتهم موارد البلاد المحدودة أو المنهوبة، والتصدي للأخطار الداخلية والخارجية التي تهدد الأمن القومي للوطن.

عبد الناصر

في ستينات القرن الماضي، وقف عبد الناصر في أحد خطاباته، يتحدث عن المساعدات الأمريكية لمصر والتي كانت وقتها عشرات الملايين، وتدخل جيوب عسكر يوليو، مؤكدا أن المصريين قادرون على تقليل استهلاكهم من الشاي والسكر نكاية في أمريكا، وبعد 50 عاما وقف السيسي بمقولة جديدة عن استعداده لتناول وجبة واحدة فقط في اليوم لبقية عمره.

وقال السيسي: إن “100 مليون إنسان عايزين يتعلموا ويبقى عندهم أمل وتعليم، ده ما بيتحققش بالأكل والشرب، قسمًا بالله لو كان الموضوع وجبة واحدة في اليوم لبناء أمة، أقسم بالله لأقعد بقية عمري آكل وجبة واحدة”، واعتبر مراقبون قسم السفيه “تمهيدا لمزيد من قرارات التقشف ورفع الأسعار وتجويع الشعب”، مؤكدين أنه إشارة “لأذرعه الإعلامية بالحديث عن الاكتفاء بوجبة واحدة كي تحيا مصر.

ومنذ حرب أكتوبر والشعب المصري يقبع في عنق زجاجة ضيقة خانقة، أو هكذا أوهمهم جنرالات العسكر المستبدون بأن موقع مصر في عنق الزجاجة لن يستمر طويلا، وعلى المصريين الصبر على القهر والجوع، أما الجنرالات وأولادهم وعشيرتهم فلهم نعيم السلطة والجاه، حتى يعبر الوطن إلى بر الأمان، ويخرج إلى أنهار العسل والمن والسلوى التي تنتظره خارج الزجاجة عما قريب.

رابط دائم