قال العلماء: يومان فى الإسلام لو لم ينصر الله فيهما المسلمين لضاع الدين؛ يوم بدر ويوم الردة. أما يوم بدر فقد كان يوم (فرقان) كما سماه الله فى كتابه العزيز، وكان النصر فيه إعجازًا بكل المقاييس؛ كان تتويجًا لثلاثة عشر عامًا من التربية والوحى بمكة، وتأكيدًا لصلاح تلك العقيدة الجديدة لصنع الأمة الخاتمة، التى هى خير أمة أُخرجت للناس.

وقد جعل الله بدرًا وما وقع فيها أسوة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، ولمن أراد إعزاز دينه وإنصاف أتباعه؛ إذ مُلئت الغزوة بدواعى النصر وأسباب الغلبة على المجرمين، وقد أُفردت لها سورة كاملة من سور القرآن (الأنفال) لخّصت تلك الدواعى والأسباب فى جمل سريعة رائعة؛ ما جعلها تُتلى عند كل نزال ليحتاط المسلمون؛ وليتذكروا أن ذلك دستور النصر على الأعداء؛ من أخذ به نجا، ومن تركه هلك..

– فلن تنتصر الأمة إلا بشباب مخلصين رُبُّوا على العقيدة وأحبوا الدين، واستعدوا لبذل النفس والمال فى سبيل إعلاء كلمة الله؛ أمثال الشاب سعد بن معاذ، ابن العشرينيات الذى نطق بكلمات قليلات شافيات خلّدها التاريخ؛ ردًا على سؤال النبى حول رأى الأنصار فيما هو مقدم عليه. فلنراجعها فى تفاصيل الغزوة. ولنراجع أيضًا موقف عمير بن الحمام الأنصارى، الذى يؤكد أهمية التربية على الجهاد، وقد استطال مدة أكل تمرات عن اللحاق بركب الشهداء، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل.

– ولن ينتصر القاعدون أو المقصرون أو الحمقى، ولن تكون غلبةٌ إلا بعد الأخذ بالأسباب المادية التى يأخذ بها العدو؛ فالمسلمون على قلتهم فى الغزوة إلا أن النبى – صلى الله عليه وسلم- جعل من هذه القلة جيشًا، قسمه كتيبتين جعل – لحكمة- على إحداهما مهاجرى (على) وعلى الأخرى أنصارى (المقداد)، وتحرى كتمان خبر الخروج، وجمع معلومات كافية عن العدو قبل لقائه، وشاور أصحابه – وهو نبى- فى أربعة مواضع معلومة لمن قرأ تفاصيل الغزوة.

– وإذا كان الاعتماد على الأسباب واجب؛ فإن الاعتماد على ربها أوجب، وقد ابتهل النبى – صلى الله عليه وسلم- قبيل الالتحام مستغيثًا بربه حتى أشفق عليه أبو بكر قائلًا: كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك؛ فأنزل الله: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) [الأنفال: 9]، ومنطوق الآية يؤكد أن الاستغاثة كانت جماعية.

– وفى السلم أو الحرب لا بد أن يكون للمسلم ولاء وبراء حسبما تقول عقيدته ويأمر دينه، وتلك لا تردد فيها ولا مشورة؛ فقد قتل عمر خاله العاص بن هشام بن المغيرة، وهمّ أبو بكر بقتل ابنه عبد الرحمن، وقتل حمزة وعلى وعبيدة بن الحارث أبناء عمهم: شيبة وعتبة والوليد بن عتبة؛ فما لانت لهم عاطفة، ولا انخدعوا بما ينخدع به من لم تتمكن العقيدة من قلبه.

– والمدد لا ينزل على صف متنازع مهلهل لا يقدر أفراده قادته ولا تحترم القيادة الأفراد، كما لا يزور النصر صفًا انشغل بالدنيا عن الآخرة، وبشهوات النفس عن نصرة الدين، وقد جاء مطلع (الأنفال) مؤكدًا ذلك؛ فلا نصر إلا بصلاح ذات البين، ولا فوز إلا بالانشغال بهمّ الإسلام والمسلمين. راجعوا موقف سواد بن غزية مع النبى لما أصرّ على القود منه. وراجعوا اقتراح سعد بن معاذ ببناء عريش للنبى، وحيثيات بناء هذا العريش.

– ويثبت يوم بدر أن النصر لا يشترط كثرة العدد ولا عدته، إنما يشترط صبرًا وتقوى، وإخلاصًا وتواضعًا ومذلة لله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الأنفال: 29]، (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [الأنفال: 26]، (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال: 17].

– والمسلم لا يخاف إلا الله؛ فلا ضير على من كان الله وليه ونصيره (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال : 30]، (وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال: 62)، كما أنه مطمئن لمن حوله من المؤمنين المخلصين، وتلك فضيلة لا تجدها إلا عند أتباع هذا الدين (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال: 64].

– وفى كل زمن وأينما كان للمسلمين وجود؛ كانت أعين اليهود شاخصة إليهم، تهمُّ بقتلهم وإفساد أفراحهم. لقد بدأ كيدهم الإجرامى للمسلمين بعد انتصار بدر، ولا يزالون إلى اليوم يكيدون. أشعل الله قلوبهم وبيوتهم نارًا..

تلك بعض أسرار الانتصار فى غزوة بدر الكبرى، وهناك عشرات الأسرار الأخرى للغزوة لمن راجعها فى الأنفال وفى مظانها الأخرى. فاللهم هيئ للمسلمين أمر رشد ومشاهد عز ونصر. آمين.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم